للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[محمد بن عبد الرحمن]

أبو بكر، البغداديّ، ويعرف بابن قُرَيعَة.

وكان خَفيفَ الرُّوح، كثيرَ المَزْحِ، مَليحَ العِبارَةِ، طَيِّبَ النَّادِرة، وخُصَّ بأبي محمد المُهَلَّبي الوزير في أيامه، ولازمه، ونفق على عز الدولة من بعده، وقَرَّبه، ولَطَفَ به عنده، ونادمه، وكان لا يُفارقه، ويُحَمِّله الرسائل، وله ألفاظ مُدَوَّنة.

كتب إليه أبو عبد الله الزُّبَيرِيّ وَرَقةً يقول فيها: المملوك أبو عبد الله الزبيري، الموسوم بالدُّعاء للملوك في المواكب، والأذان في الجوامع، له مدّةٌ ما وصل إليه جائزة.

فوقَّع عليها: ذكرتَ أنك منذ مدة لم تَقْبِض ما أجريتُه لك من باب البرِّ شيئًا، فشُوهَة بُوهَة، وأحوالٌ مَكروهة، أيكون أحدٌ أحقَّ منك نَسَبًا في المهاجرين، وزَعَقاتٍ في الدِّين، وصَيحاتٍ بمنافع المسلمين؟ اللهم غَفْرًا، نتلافى ما فرطت منك تلافيًا شافيًا كافيًا إن شاء الله تعالى.

وحضر عند عزِّ الدولة جماعة من الفقهاء فيهم هَرَويّ، فقال: أيها الأمير، هذا من بلد القِشْمِش (١)، ومَعْدِن المِشْمِش، من أهل هَراة، رجالُها سَراة، وجبالُها شَراة، فضحك عز الدولة.

وحضر يومًا عند عَضُد الدولة وقد خرج من بين يديه أبو العباس أحمد بن علي النَّفَّاط العامل، فقال: هذا أبوه كان يَبيع النَّفْط، فقال له ابن قُرَيعَة وكان واقفًا بحضرته: هذا لقبُ تعريف، لأن اللقب ثلاثة؛ لقبُ تَشريف، ولَقَبُ تعريف، ولَقَب تَسخيف، فقال له عضد الدولة: مثل ماذا؟ فقال: أما التَّشْريف فمثلُ ركن الدولة وعضد الدولة وما كان في معناه، وأما التعريف فمثل ابن النَّفَّاط، وابن اللَّقَّاط، وابن المَقَّاط (٢)، وأما التَّسخيف فمثل زيقط وبطبط وقطقط، فضحك عضد الدولة منه وقال:


(١) الزبيب الصغير لا نوى له.
(٢) المِقاط: الحبل.