للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السنة الثامنة والخمسون بعد المئتين]

فيها عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الموفَّق على الشام ومصر وقِنسْرين والعواصم (١)، وخلعَ عليه وعلى مُفلح، وجهَّزَهما إلى حروب الخبيث الزَّنجي.

وفيها قتلت الزنْجُ منصور بن جعفر بن دينار، وكان محاربًا لهم ما زال ينازلُهم حتى التقَوا، فتفرَّقَ عنه أصحابُه، فجاءَ إلى نهرٍ، فضرب فرسَه، فنزل فيه، وراه بعضُ الزّنج، فلمَّا صعدَ الفرس بمنصور، ضرب الزنجيُّ رأسَه فابانَه، وانهزم عسكرُه، وغنم الزَّنْجُ ما كان معهم (٢).

وفيها قُتِلَ مفلحٌ أيضًا، وقد ذكرنَا أنَّ المعتمدَ جهَّزَ أخاه الموفق ومفلحًا إلى الخبيث، وخرجَا في جيشٍ لم يخرج [مثله] من بغداد [في] (٣) العُدَد والفرسان والخزائن، وكان المعتمدُ قد أهمَّه أمرُ الخبيث وما يفعلُ في بلاد الإسلام، وسارَ الموفقُ إلى قتال الخبيث، وكان أصحاب الخبيث يراوحون البصرة ويغادونها (٤)؛ لقلَّة الناصر لها، وكانوا يَمتَارُون منها، وجيشُ الخبيث بنهر مَعْقِل، فلمَّا وردَ الموفق نهر مَعْقِل انهزمَ جيشُ الخبيث مرعوبين، فلحقُوا به وقالوا: هذا جيشٌ هائلٌ لم يأتنا مثله، وبعث الخبيث طلائعه، فرجعُوا إليه بتعظيم أمرِ الجيش وتفخيمه، فبعثَ إليهم جندًا، فلقيه مفلح، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وظهر مُفْلِح على الخبيث، فبينا الناسُ على الظفَر جاء مفلحًا سهمٌ غائرٌ بغير نصل، فوقعَ في صدره يوم الثلاثاء، فمات يوم الأربعاء، وزعم الخبيث أنَّه الذي رَمى مفلحًا بالسهم، وكذب، وانهزم أصحابه، وركبهم الزنْجُ، واقتسموا لحومَ القتلى، وتهادوها فيما بينهم. وسأل الخبيث بعضَ الأسارى عن مُقَدَّم جيش المعتمد، ولم يكن يعلم، فقال له: أبو أحمد الموفَّق، فارتاعَ لذكر الموفَّق.


(١) كذا في (خ) و (ف). وفي تاريخ الطبري ٩/ ٤٩٠، والمنتظم ١٢/ ١٣٦: على ديار مضر وقنسرين والعواصم.
(٢) انظر تاريخ الطبري ٩/ ٤٩١ - ٤٩٢.
(٣) ما بين حاصرتين من تاريخ الإسلام ٦/ ١٦، وانظر تاريخ الطبري ٩/ ٤٩٢.
(٤) في (خ): ويعاودونها.