للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السَّنة الخامسةُ بعد المئتين

فيها ولَّى المأمونُ طاهرَ بن الحسينِ من مدينة السلامِ إلى أقصى عملِ المشرق، خُراسانَ وغيرِها، وكان إليه قبل ذلك الجزيرةُ وشُرطةُ المأمونِ وجانبا بغدادَ والسَّواد (١).

وسببُ توليتِه ما حكاه بِشرٌ المَرِيسيُّ قال: حضرتُ عند المأمونِ أنا وثُمامةُ ومحمدُ بن أبي العباسِ وعليُّ بن الهيثم، فتناظروا في التشيُّع، فنصر محمدٌ الإمامِيَّة، ونصر عليٌّ الزَّيدية، وجرى الكلامُ بينهما إلى أن قال محمدٌ لعلي: يا نَبَطي، ما أنت والكلامُ في هذا! وكان المأمون متَّكئًا، فجلس وقال: الشَّتم عِيّ، والبذاءُ لؤم، وإنَّا قد أبحنا الكلام، وأظهرنا المقالات، فمَن قال الحقَّ حمدناه، ومَن جهله وقفناه، ومَن جهل الأمرَين حكمنا فيه بما يجب، فاجعلا بينكما أصولًا وفروعًا.

فناظره محمدٌ فعاد إلى مقالته الأولى، قال له عليّ: واللهِ لولا جلالةُ مجلسِ أميرِ المؤمنين وما وهب اللهُ له من الرَّأفة، ولولا ما نهى عنه لأَعرقتُ جبينَك، وبحسبك من جهلك غسلُ منبر رسولِ الله بالمدينة (٢). فقال المأمون: وما غسلُ المنبر! ألتقصيرٍ منِّي في أمرك، أو التقصيرُ من المنصور في أمر بيتِك (٣)؟ ولولا أنَّ الخليفةَ إذا وهب شيئًا استحى أن يرجعَ فيه، لَكان أقربَ شيءٍ بيني وبينك [إلى] الأرض [رأسُك] قُمْ وإياك أن تعود.

فخرج ومضى إلى طاهر، وكان زوجَ أخته، فأخبره، فركب طاهرٌ إلى دار المأمون، فلمَّا دخل عليه قال: اجلس، فجلس، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، ليس لصاحب الشُّرطةِ أن يجلسَ بين يدي سيِّده، فقال له المأمون: ذاك في مجلس العامَّة، وأمَّا مجلسُ الخاصَّة فلا، وكان المأمونُ على حال، ثم بكى وتغرغرت عيناه بالدُّموع، فقال


(١) في تاريخ الطبري ٨/ ٥٧٧، والكامل ٦/ ٣٦٠: ومعاون السواد.
(٢) في (خ): لا عرفت جبينك من عقلك غسل منبر رسول الله بالمدينة. والتصويب من تاريخ الطبري ٨/ ٥٧٧.
(٣) كذا في (خ)، ولم يرد الخبر في (ب)، والذي في تاريخ الطبري: أمر أبيك. وكذا وردت في تجارب الأمم لمسكويه، أحداث سنة (٢٠٥ هـ).