للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: نزَّهناك، والتسبيح التنزيه لله من كل سوء ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] فقد نزَّهناك عن الاعتراض عليك.

[فصل في سجود الملائكة لآدم]

ثم أمرهم الله بالسجود لآدم بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] قال ابن عباس: لمّا اعترفوا بالعجز أمر الله تعالى آدم بأن يخبرهم بالأسماء، فلما أخبرهم قال: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا ملائكتي ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما كان فيها وما يكون ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ من الطاعة والخضوع لآدم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] في أنفسكم له من العداوة.

وقال ابن عباس أيضًا: المراد به إبليس، فإنه كان إذا مرَّ على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطَّائف يقول لمن معه من الملائكة: أرأيتم إن فضِّلَ عليكم هذا ماذا تصنعون؟ فيقولون: نطيع أمر ربِّنا، فيقول في نفسه: إلا أنا، والله لئن سلِّطتُ عليه لأهلكنَّه، وإن سلِّط عليَّ لأعصينَّه.

واختلفوا في سجودهم لآدم على أقوال:

أحدها: أنه سجود تعظيم وتحية لا سجود صلاة وعبادة كقوله في قصة يوسف ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، وكان ذلك تحية للناس وتعظيم بعضهم بعضًا، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان انحناءً وإيماءً ووضع اليد على الصدر. وأصل السجود الانحناء والميل، يقال: سجَدَت النخلة إذا مالت.

فلمَّا جاء الإسلام أبطل ما كانوا يصنعونه وعوَّضهم بالسَّلام، ولما رَجعَ معاذٌ من اليمن، سَجدَ لرسول الله ، فَتغيَّرَ وَجهُه وقال: "ما هذا يا معاذُ؟ " فقال: رأيتُ اليَهودَ يَسجُدونَ لأحبارِهِم، والنَّصَارى لرُهبانِهم وقِسِّيسيهم، ففعلتُ مِثلَهم، وأنت أولى، فقال: "مَهْ يا معاذُ، كَذَبوا، إنما السُّجود لله تعالى" (١). قاله ابن عباس.


(١) أخرجه الحاكم ٤/ ١٧٢ وفيه: "أنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم، ولو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظيم حقه عليها .. ".
وأخرجه قريبًا منه ابن ماجه (١٨٥٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٤١٧١) وعندهم أنه رأى ذلك في الشام.