للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان [الفاضل] (١) ممدَّحًا، [قال العماد] (١): مُدح بمئة ألف بيت من الشِّعْر، وكان منجذبًا عن النَّاس، إذا سلَّم عليه من لا يعرفه آذاه، وإذا التقاه إنسان ولم يُسَلِّم عليه أغناه.

ذِكْرُ وفاته:

لما تيقَّن استيلاء العادل على القاهرة دعا على نفسه بالموت خوفًا من ابن شُكْر [وزير العادل] (١)، فإنه كانت بينه وبينه وَحْشة، فخاف أن يستدعيه ويهينه، فقام تلك الليلة يبكي ويتضرع [ويصلي] (١)، فأصبح مَيتًا، [وحكي عن] (٢) الملك المحسن بن صلاح الدين: اتَّفق يوم وفاة الفاضل يوم دخول العادل إلى القاهرة، دخل مِنْ باب النَّصْر، وخرجنا بجِنازته من باب زويلة.

وقال العماد الكاتب في حوادث سنة ست وتسعين وخمس مئة: وفيها تمَّت الرَّزِيَّة الكبرى والنكبة العُظْمى بانتقالِ الفاضل من دار الفناء إلى دار البقاء، وذلك في سادس ربيع الآخر يوم الثلاثاء، وكان فيه مصافّ الأفضل يوم الكسرة، ومصاب الفاضل يوم الحسرة، وكان قد باتَ صحيحًا من الأسقام، فقال لغلامه: رَتِّبْ حوائجَ الحَمَّام، ولم يعلم بقُرْب الحِمَام، فأصبح وقد قضى سعيدًا، ومضى حميدًا، وله بسيِّد المُسْلمين أُسوة، وهو وإن عَرِيَ عن رداء العمر فله من حُلَل البقاء في عِلّيين أفخر كُسْوة، ولم يُبْقِ في مُدَّة حياته عملًا صالحًا إلا قدَّمه، ولا عَقْدًا في أبواب البِرِّ إلا أَحْكَمَه، فإنَّ صنائعه قلائد في الرِّقاب، وأوقافه على سُبُل الخيرات متجاوزة الحساب، فهي باقيةٌ على الدَّوام من خلاصِ الأُسارى، والتُّرْبة والمدرسة والفقراء والأيتام على مرور الأيام، بحبائه باقية إلى يوم نَشْر العظام، وكانت كتائبه كتائبَ النَّصْر، وبلاغته تفوق بلاغة أهل العَصْر، والكرامُ في ظِلِّه يقيلون، ومن عثرات النَّوائب بفضله يستقيلون، وبعزِّ حمى حمايته يعزون، ولهزِّ عِطْفه يهتزُّون، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، ولأوامره منقادون، ودُفِنَ بتربته


(١) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).
(٢) في (ح): "وقال الملك المحسن"، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و (ش).