للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما دخل عليه جلس معه على سريره، فنخر أصحابُه وصاحوا، فقال المغيرة: هذا شيءٌ لم يَزِدْني رِفعة، ولم يَنقص صاحبَكم، قال رستم: صدق، فقال له رُستم: ما الذي جاء بكم إلينا؟ فقال: إن اللَّه بعث إلينا رسولًا؛ فهدانا من الضَّلالة، وأنقذنا من الجهَالة، وأمرنا بجهادكم، فإن قَتلتمونا دخلْنا الجنة، وإن قتلْناكم دخلتُم النار، أو تُؤدّون الجزيةَ إلينا، فقال رستم وأصحابُه: لا صُلحَ بيننا وبينكم.

وقال الهيثم: بعث رستم إلى سعد يَطلب جماعةً لهم رأيٌ وعقل، فأرسل إليه بجماعة فيهم المغيرة بن شعبة ومَعبَد بن مُرّة، فقال لهم معبد (١): دعوني أتقدَّمكم، فإن أتينا جميعًا رأونا قد احتَفَلْنا لهم، فقالوا: تقدَّم، فجاء وقد بسط رستم النَّمارق والوسائد، وأظهر اليواقيت واللآلئ والزينة العظيمة وجلس على سرير من ذهب، ولبس تاجَه، فجاء معبد على فرسٍ له قصير، ورُمحُه مشعوب، وسيفُه خَلَق (٢)، فاقتحم البساط بفرسه، ونزل فربطه بين وِسادتين، وعليه عباءة قد خلّها بخلال، فقال رستم: فرع سلاحَك، فقال: لا أَضعُه، أنتم دعوتموني، فإن أكرهتموني على وَضعِه رجعتُ، فقال رستم: دعوه، ثم قال له: ما الذي أَقدَمَكم علينا، فردَّ عليه مثل ما قال المغيرة، فقال رستم: أَخِّرونا حتى نَنظُرَ في هذا الأمر، فقال: لا نُؤخّركم أكثرَ من ثلاث، فإما أن تُسلموا، أو تُؤدّوا الجزية، وإلا قاتلناكم، فمال رُستم إلى الصُّلْح، فنهاه أصحابُه وقالوا: أيُّ قَدرٍ لهذا الأعرابي، أما ترى زِيَّه وثيابَه، فقال رستم: لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام، فإن العرب تَستخفُّ الثياب، وتَصونُ الأحساب،

فقال (٣): قد أمرتُ لأميركم بكُسوة وألفِ درهم وبغْلٍ، وتنصرفون، فقال المغيرة: أبعد أن أَوْهَنّا مُلككم، وضَعْضَعْنا عِزَّكم، ولنا مدَّة نَمخر بلادَكم، ونأخذ الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدًا على رَغمكم، فاستشاط رُستُم غضبًا وقال: واللَّه لا تَرتفعُ الشمسُ غدًا حتى أقتلَكم أجمعين، فقال له المغيرة: ستعلم وتندم، ثم قال


(١) في الطبري ٣/ ٥١٨ أن القائل ربعي بن عامر، وهو الذي دخل على رستم.
(٢) في الطبري ٣/ ٥١٩: معه سيف مَشوف، وغمده لفافة ثوب خلق، ورمحه معلوب بقدّ. اهـ. والمعلوب: الذي حُزم مقبضه بعِلْباء البَعير، والعِلْباء: عَصبٌ في عنق البعير يؤخذ ويُلَفُّ على المقبض. والمشوف: المجلوّ.
(٣) رجع الحديث إلى خبر المغيرة، والقائل هو رستم.