للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

علمتم أني لم أَزلْ أُحبُّ لكم العافية، وأكفُّ عنكم الأذى، وقد خَشيتُ أن لا يجدَ الحليمُ من الغضب بُدًّا، فكُفُّوا سفهاءَكم قبل أَن يشمل البلاءُ خواصَّكم (١)، فقالوا: إن كان قد سُمِّيَ لك أَحدٌ فأَخبرنا لنكفيَك أمرَه.

وخرج الرؤساءُ إلى عشائرهم، فناشدوهم اللهَ والإسلامَ، وكان المغيرةُ بن شعبة قد حَبَسَ منهم جماعة. فقال معاذ بن جُوَين بن حصن من الخوارج يُحرّضُهم على الخروج:

أَلا أَيُّها الشارون قد حان لامرئٍ … شرى نفسَه للهِ أَن يترحَّلا

أقمتُم بدارِ الخاطئين جَهالةً … وكلُّ امرئٍ منكم يُصاد ليُقْتَلا

فشُدُّوا على القومِ العُداةِ فإِنَّما … إقامتُكم للذبح رَأْيًا مُضَلَّلا

من أبيات (٢).

وبعث المُستورِدُ إلى أصحابه: اخرجوا من بين هذه الأُمَّة الخاطئة. فخرجوا في ليلة، فنزلوا في الصَّراة في ثلاثِ مئة رجل.

فجمع المغيرةُ الرؤساءَ وقال: إنَّ هؤلاء الأشقياءَ قد أَخرجهم الحَيْنُ وسوء الرأي، فمن تَرَوْن أن أبعثَ إليهم؟ فاتفقوا على معقل بن قيس، فسار إليهم في ثلاثة آلافٍ؛ معظمُهم من شيعة أمير المؤمنين، وكان ذلك من رأي المغيرة؛ قال: لأنهم أَجرأُ عليهم من غيرهم، ويدينون اللهَ بقتالِهم حيث فعلوا بأمير المؤمنين ما فعلوا.

وأَوصى المغيرةُ معقلَ بنَ قيس فقال له: اِعلم أني قد بعثتُ معك فرسانَ هذا المصر، فَسِرْ إلى هذه العصابةِ المارقة الذين فارقوا جَماعتنا وشهدوا علينا بالكفر، فادْعُهُم إلى الطاعة والدخول مع الجماعة، فإنْ تابوا ورجعوا فكُفَّ عنهم، وإن أَبَوْا فناجِزْهُم، واستعِنْ بالله عليهم.

وخرج مَعقِل بن قيس، فبات بِسُورا، ثم سار حتى وصل إلى بَهُرَسير (٣) المدينة الغربية، وكان على المدينة الشرقية التي فيها أبيضُ كِسْرى سِماكُ بنُ عُبيد العَبْسيّ،


(١) في "تاريخ" الطبري ٥/ ١٨٤، والخبر فيه: عوامَّكم.
(٢) المصدر السابق ٥/ ١٨٧، وينظر "أنساب الأشراف" ٤/ ١٩٣.
(٣) بالفتح، ثم الضم، وفتح الراء، وكسر السين: من نواحي سواد بغداد قرب المدائن، وسُورا: موضع بالعراق من أرض بابل. ينظر "معجم البلدان" ١/ ٥١٥ و ٣/ ٢٧٨.