للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بايعه (١)، وأقام مدَّةً يُصدر له الكتبَ إلى الحجاج، فقال له يومًا: قم خطيبًا فذُمَّ الحجاج، فقام فقال: أيها الناس، إن الأمر الذي يدعوكم إليه الحجاج لم يَنزل من السَّماء، ولم تَقُم به الخُطباء، ولم تَسُنَّه الأنبياء.

فلم يَلبث ابن الأشعث أن انهزم، وأُخذ ابن القِرّيّة أسيرًا، فجيء به إلى الحجاج فقال له: ألم تكن في خُمول من الدَّعَة، وعُدْمٍ من المال، وكَدَرٍ من العَيش، وتَضَعْضُع من الهَيئة، ويأسٍ من بُلوغ ما بلغتَ إليه؟! فولَّيتُك ولاية الوالد ولم أكن والدًا، وولاية الرّاجي عندك الخير ولم أرجُه عندك أبدًا، حتى قمتَ خطيبًا وقلتَ كذا وكذا؟! فقال: أيها الأمير، إني أتيتُ إنسانًا في مَسْك (٢) شيطان، يَتَهَدَّدني بتَخَوُّنِه، ويَقهرني بسُلطانه، فَنَطق اللسانُ بغير ما في القلب، والنَّصيحةُ لك ثابتة، والموَدَّة باقية، قال: كذبت يا عدوَّ الله.

ثم قال له: كيف عِلْمُك بالأرض؟ قال: عِلمي ببيتي، قال: فأخبرني عن الهند، قال: تُرابها مِسْك، وحَطَبُها عُود، ووَرَقُها عِط، قال: فعُمان، قال: حَرُّها شَديد، وصَيدُها عَتيد، قال: فالبصرة، قال: ماؤها مالح، وشُربُها سانح، وهي مأوى لكلّ فاجر، ومَلجأ لكلّ غادر (٣)، قال: فواسط، قال: جَنَةٌ بين حَماةٍ وكَنَّة، يعني بين الكوفة والبصرة، قال: فالكوفة، قال: ارتفعت عن اليَمَن (٤)، وسَفُلَت عن الشّام؛ فطاب ليلُها، وكَثُر نَيلُها، قال: فمكَّة، قال: تَمْرُها دَقَل، ولصُّها بَطَل، إن كَثُرَ بها الجُند جاعوا، وإن قَلُّوا ضاعوا، قال: فاليَمامة، قال: أهلُ جَفاءٍ وجَلَد، وغِلْظَةٍ ونكَد، قال: فالمدينة، قال: رَسَخ العلمُ فيها ووَضَح، وكَثُر خَيرُها وطَفَح، قال: فاليمن: قال: أصلُ العرب، وأهلُ الحَسَب، قال: فالشام، قال: أهل النَّجْدَةِ والباس وخيار الناس، قال: فمصر، قال: عَروسٌ بين نِسوةٍ كلُّهنَ يَزُفُّها، قال: فكيف رأيتَ خُطبتي؟


(١) في (أ) و (د): تابعه.
(٢) أي: جِلْد، ووقع في (ص): زي.
(٣) في "مختصر تاريخ دمشق" ٥/ ١٣٤: مأوى كل تاجر، وطريق كل عابر.
(٤) في "مختصر تاريخ دمشق": ارتفعت عن البحر.