للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم كتب إلى هشام: بلغني أنَّك قطعتَ صلتي وما فعلتَ بأصحابي، فإن كان ذلك لشيءٍ في نفسك عليَّ، فقد سَبَّبَ [الله] لي من العهد، وكتبَ لي من العمر، وقَسَمَ لي من الرِّزق ما لا يقدرُ أحدٌ على قطعه، أو على قطع شيء منه دون مدَّته، وقَدَرُ الله يجري بمقاديره، كره النَّاس أو أحبُّوا، لا تأخير لعاجله، ولا تعجيل لآجله.

وكتب في أسفل الكتاب:

رأيتُكَ تبني دائمًا (١) في قطيعتي … ولو كنتَ ذا عزمٍ (٢) لهَدَّمْتَ ما تبني

تُثير على الباقين منّي (٣) ضغينةً … فويلٌ لهم إنْ مُتَّ من شرِّ ما تجني

كفرتَ يدًا من منعمٍ لو شكرتَها … جزاكَ بها الرحمنُ ذو الفضلِ والمَنِّ (٤)

فكتب إليه هشام يُوبِّخُه ويُفَسِّقُه ويزندقُه، وقال: أستغفرُ الله مما كنتُ أُجريه عليك، فإنِّي إلى المأثم أقربُ من غيره.

فلما قرأ كتابَه أيقن بالعزل، ولم يجد من طرد عبد الصمد بدًّا، فأبعدَه، وكتبَ إلى هشام يعتذرُ من منادمته.

و [بقي] الوليد مقيمًا بالأزرق منكسرًا مهمومًا، فركب يومًا ولجَّجَ في البَرِّيَّة ومعه أبو الزُّبير المنذر بن أبي عمرو، فقال: يَا منذر، لقد طالتْ عليَّ الليلة، وأرقْتُ أرقًا كثيرًا، وإني لخائفٌ من الأحول المشؤوم. وجعل يشكو إليه، وإذا براكبين قد أقبلا من صدر البَرِّيَّة، فَقرُبا منه، فتأمَّلَهما، وإذا بمولًى لآل أبي سفيان (٥)، وآخر يقال له: جردبة، فقال لهما: أمات هشام (٦)؟! قالا: نعم. قال: فما فعل كاتبي (٧)؟ فأخبراه بما


(١) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٨٤، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٥: جاهدًا.
(٢) في "أنساب الأشراف": ذا عقل، وفي "تاريخ" الطبري: ذا إرب.
(٣) في المصدرين السالفين: مجنى بدل: منّي. وفي "أنساب الأشراف": ستترك للباقين.
(٤) يُقارن سياق الخبر هنا بسياقه في المصدرين السابقين.
(٥) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٩٠، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٥: مولى أبي محمَّد السفياني.
(٦) في المصدرين السابقين: فلما بَصُرا بالوليد نزلا ثم دنوا منه فسلَّما عليه بالخلافة، فوجم ثم قال: أمات هشام … وبنحوه في "الأغاني" ٧/ ١٥.
(٧) في (ص): عياض (وهو اسم الكاتب).