للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال سالم الأبرش (١): كان المنصورُ من أحسن الناس خُلقًا ما لم يخرج إلى الناس، فإذا لبسَ ثيابه وجلس على سريره، تغيَّر لونُه، واربدَّ وجهه، واحمرَّت عيناه، وتغيرت صفاته، فسفكَ الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وكان يقول: إذا رأيتموني قد لبستُ ثيابي وجلستُ على سريري، فلا يدنونَّ مني أحدٌ منكم إليَّ لا أعره بشرّ (٢).

وقال عبد الصمد بن علي: خلوت يومًا بأبي جعفر المنصور، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، لقد لهجت بالعقوبة حتَّى كأنَّك لم تسمع بالعفو، فقال: لأنَّ بني أميَّة لم تبل رممهُم، وآل أبي طالب لم تسكن بعد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا بالأمس سوقةً واليوم خلفاء، ولا تتمهَّدُ هيبتُنا في صدورهم إلَّا باطِّراح العفو وإكمال العقوبة.

وقال الزبير بن بكار: قال المنصور: الخليفةُ لا يصلحُه إلَّا التقوى، والسلطان لا يصلحُه إلَّا الطاعة، والرعيَّةُ لا يصلحها إلَّا العدل (٣).

وروى المعافى بن زكريا عنه أنَّه قال للمهدي: لا تجلسْ مجلسًا إلَّا ومعكَ رجلٌ من أهل العلم يحدّثك، فإنَّ محمد بن شهاب الزهري قال: إنَّ الحديثَ ذكَرٌ لا يحبُّه إلَّا الذُّكور من الرجال، ويكرهه مؤنَّثهم. وصدق أخو بني زهرة.

قال: وكتبَ إلى عامله بالمدينة أن لا تبع الثمارَ التي في الأشجار إلَّا ممن نغلبه ولا يغلبنا، فأمَّا الَّذي يغلبُنا فهو المفلس الَّذي لا مال له، فيذهب مالنا قبله.

وقال محمد بن سلَّام الجمحي: قيل للمنصور: هل بقيَ من لذَّات الدنيا شيءٌ لم تنله؟ قال: نعم، خصلةٌ واحدة، أنْ أقعد على مصطبة، وحولي أصحابُ الحديث، فأملي عليهم، قال: فغدى عليه الندماء والوزراءُ بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم هم، إنَّما هم أصحابُ الثياب الدنسة، المشققة أرجلُهم، الطويلة شعورُهم، الشعث الغبر، أصحاب الآثار ونقلةُ الحديث.

وقال محمد بن سليمان الهاشمي: دخلتُ على أبي جعفر وهو في بيتٍ صغير وعليه


(١) في تاريخ الطبري ٨/ ٦٣: سلّام الأبرش.
(٢) كذا في (ج). وفي تاريخ الطبري ٨/ ٦٤: فلا يدنون مني أحدٌ منكم، مخافة أن أعرَّه بشيء. وفي المنتظم ٧/ ٣٤٦: … لئلا أغره بشر.
(٣) تاريخ بغداد ١١/ ٢٤٧.