للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حماد: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقول. سمعت أنس بن مالكٍ يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ : "إنَّ العالِمَ إذا أراد بعِلمه وجهَ اللهِ هابَه كلُّ شيء، وإذا أَراد يكتنزُ به الكنوزَ هاب من كلِّ شيء"، فقال: أربعون أنس درهمٍ تأخذها تستعين بها على ما أَنْتَ عليه، فقال: اردُدْها على مَن ظلمتَه بها، فقال: واللهِ ما أعطيتك إلَّا ما ورثتُه، قال: لا حاجةَ لي فيها، ازوها عنِّي زوى اللهُ عنك أوزارَك، قال: فتقسمها، قال: فلعلي لا أَعدلُ فيها فيقول بعضُ مَن يُرزَق منها: لم يَعدِل، ازوها عني زوى اللهُ عنك أَوزارَك (١).

وقال موسى بنُ إسماعيل: ما رُئي حمادٌ ضاحكًا قط، كان مشغولًا بنفسه، إمَّا أن يقرأ، وإما أن يصلِّي، وإما أن يسبِّح.

وقال حماد: كانت لي جارةٌ ولها بناتٌ يتامى، وكانت ليلةً ممطرة، فوكف عليهم السَّقف، فسمعتُ المرأةَ وهي تقول: يَا رفيقُ ارفقْ بنا، فسكن المطرُ وانقطع الدَّلف، فقلت: هذه امرأةٌ مستجابةُ الدعوة، فأخذتُ في كمِّي دنانيرَ ونزلت، فطرقتُ عليها الباب، فقالت: كن حمادَ بن سَلَمة، فقلت: أنا حمَّاد، ففتحت البابَ وقالت: ما الذي بك؟ قلت: سمعتكِ وأنت تقولين: يَا رفيقُ ارفق بنا، فما بلغ من رِفقه بك، قالت: قطع الدلفَ عنا وأَدفأَ البيت، فنام الصِّغار. فأخرجتُ الدنانيرَ من كمِّي وقلت: أَنفقي هذه الدنانيرَ علي بناتك وأَيتامِك، وإذا بصبيَّة خُماسية -أي: بنتُ خمسِ سنين- قد خرجتْ وعليها جبَّة صوفٍ تستبين حروفها، فقالت: قد علمنا يَا حمادُ أنَّما بعثك إلينا بالدنيا ليطردَنا عن بابه، ردَّ دنانيرَك عافاك الله، فنحن في غِنًى عنها. ثم أَغلقت البابَ ودخلتْ، فانصرفتُ.

وقال يونُس بنُ محمَّد: مات حمادٌ في المسجد وهو يصلِّي، وقيل: وهو ساجده وقال أبو عبدِ الله التَّميميُّ عن أَبيه قال: رأيتُ حمادَ بن سلمةَ في المنام بعد موته، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: خيرًا، أَوقفني بين يديه وقال: طال ما كددتَ نفسَك في دار الدنيا، فاليومَ أُطيل راحتَك وراحةَ المتعوبين في الدنيا، بخٍ بخٍ ماذا أَعددتُ لهم!

أَسند حمادٌ عن الحسن وابنِ سِيرينَ (٢) والأوزاعيِّ والزُّهري وخَلْقٍ كثير، واتفقوا


(١) تاريخ دمشق ٦٢/ ١٩٤ - ١٩٥، وانظر الجامع لأخلاق الراوي (٨٤٦).
(٢) هو أنس بن سيرين، ولم تذكر المصادر ممن ذكرهم المصنف غير أنس هذا. انظر تهذيب الكمال، والسير ٧/ ٤٤٤ - ٤٤٥.