للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان مروانُ قد قدم بغدادَ ومدح المهديَّ وهارون، وكان يتقرَّب إلى هارونَ بهجو العَلَويَّة، وقد مدح مَعْنَ بن زائدةَ ورثاه بقصائد، ودخل على المهديِّ ولم يعرفْه، فمدحه، فقال: مَن أَنْتَ؟ فقال: شاعرُك مروان بن أبي حفصة، فقال: أَلست القائل:

أَقمْنا باليمامة بعد مَعْنٍ … مُقامًا لا نُريد به زِيالا

وقلنا أين نذهبُ بعد معنٍ … وقد ذهب النَّوالُ فلا نَوالا

وإذا ذهب النَّوال، فأيَّ شيءٍ جئتَ تطلب عندنا؟ جُرُّوا برجله، فجرُّوا برجله وأُخرج، فلمَّا كان في العام المقبل تلطَّف حتَّى دخل مع الشُّعراء، فلمَّا مَثُل بين يديه أنشده قصيدَته التي يقول في أوَّلها: [من الكامل]

طَرَقَتْك زائرةً فحيِّ خَيالها … بيضاءُ تَخلِطُ بالحَياءِ دَلالها

هل تَطْمِسونَ من السماء نجومَها … بأكفِّكم أو تسْترون هِلالها

أو تدفعون مقالة من ربِّكمْ … جبريلُ أَبلغها الرسولَ فقالها

شَهِدَت من الأنفال أولَ (١) آيةٍ … بتراثهمْ فأردتمُ إِبطالها

فزحف المهديُّ من مصلَّاه حتَّى صار على البِساط إِعجابًا بما سمع، ثم قال: كم الأبيات؟ قال: مئة، فأمر له بمئة ألفِ درهم، وهي أوَّل مئة أَلْف أُعطيت لشاعر في أيَّام بني العبَّاس، فلمَّا ولي هارونُ الرشيد دخل عليه مروانُ، فقال: ألستَ القائلَ في معن .. ؟ وذكر البيتين، وأَخرجه. ودخل عليه بعد ذلك فأنشده قصيدة، فأمر له بعدد أبياتها ألوفًا، فمنها: [من الطَّويل]

لَعَمرُك لا أنسى غداةَ المُحَصَّبِ … إشارةَ سلمى بالبَنان المُخَضَّبَ

وقد صدر الحُجَّاج إلَّا أقلَّهمْ … مصادرَ شتَّى مَوْكِبًا بعد موكب

قال المصنِّف : وأوَّل القصيدةِ التي رثى بها معنَ بن زائدة: [من الوافر]

مضى لسبيله مَعْنٌ وأبقى … محامدَ لن تَبيدَ ولن تُنالا

كأنَّ الشمسَ يوم أُصيبَ معنٌ … من الإِظلام مُلْبَسةٌ جِلالا


(١) في الأغاني ١٠/ ٨٧، وتاريخ بغداد ١٥/ ١٨٤، وتاريخ دمشق ٦٦/ ٤٨٣، والمنتظم ٩/ ٧٠، وتاريخ الإِسلام ٤/ ٩٧١: آخر آية، وهو الصحيح.