للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كنْ مع ما وقع لك (١).

[وحكى عنه ابن باكويه أيضًا قال:] (٢) خرجتُ إلى مكَّة، فقلتُ لأصحابي: امضُوا على طريق وأنا على غيرها، والموعدُ مكَّة، [قال:] فمضوا، وسرتُ وحدي وساروا، وجعتُ وجاعوا، فصادَ بعضُهم ظبيًا، فذبحه وشواه، وجلسُوا يأكلون، فانقضَّ عليهم نسرٌ فأخذَ قطعةً من الظبي، وجاء إليَّ وأنا أمشي وحدي، فألقَاها إليَّ فأكلتُها، فلمَّا اجتمعنا بمكَّة، حكوا لي حكاية النسر، فقلت: أنا أكلتُ الشوي، فنظرُوا فإذا كلُّنا [قد] أكلنَا في وقتٍ واحد.

وقال [يوسف] بن الحسين الرازي: صحبتُ أبا تراب في طريق مكَّة خمسين حجَّة (٣) على غير الجادة، وكنتُ أشاهدُ منه العجائب، فرأى يومًا في وجهي أثرَ الجوع، فقال: التفتْ فالتفتُّ، فإذا برغيفٍ وكوز ماء، فقال: كل، قلت: وأنت؟ قال: يأكلُ من اشتهاه، [فأكلت] (٤).

وقال أبو تراب: دخلتُ البادية ومعي ثلاثُ مئة تلميذ على التوكُّل، ومعنا جِمالٌ، فوقع الموتُ فيها، وضعفَ أصحابي عن المشي، فهتفَ بي هاتفٌ: يا أبا تراب، لا نرى لك قدمًا إلا والله قدَّمكَ فيها، ألم تر إلى موسى لما قال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا﴾ [طه: ١٨] وادعى ملكًا ورأى نفسه، قال الله تعالى: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فقلت: أنشدُك الله، من أنت؟ قال: الخضر، وقد وكَّلني الله بقلوبِ أوليائه، إذا شردت عنه رددتُها إليه، يا أبا تراب، التلف في أول قدم، والنجاة في آخره، فأخذني الاستقلال من وقتي، فلا أدري أسائرًا كنت أو طائرًا (٥).


(١) انظر الخبر في مناقب الأبرار ١/ ٢٨٩، وتاريخ دمشق ٤٧/ ٣٦٤، وفيهما: وصرت أنت معلومي، فلا أصحبك بعد هذا ....
(٢) ما بين حاصرتين من (ب). وفي (خ) و (ف): وقال أبو تراب.
(٣) في مناقب الأبرار ١/ ٢٩٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣٠٨، وطبقات الأولياء ص ٣٥٧: خمس سنين.
(٤) ما بين حاصرتين من (ب).
(٥) مناقب الأبرار ١/ ٢٩١، ومن قوله: وقال أبو تراب: دخلت … إلى هنا ليس في (ب).