للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فألقها في مكانٍ أقول لك، ففعل، وكان [في الرقعة هذه الأبيات:] (١) [من المتقارب]

لعمري لئن حَجَبَتْنِي العبيـ … ــدُ عنك فلن تُحجَبَ القافيهْ

سأرمي بها من وراءِ الجدا … رِ شنعاءَ تأتيكَ بالدَّاهيهْ

تُصِمُّ السَّميعَ وتُعمي البصير … ومن بعدهَا تسألُ العافيهْ

قال أبو تمام: فلمَّا قرأهَا استدعاني، ولم يكن يعرفُني قبلها، فقال: أنت صاحبُ الرقعة؟ قلت: نعم، قال: أنشدها، فأنشدتُه إيَّاها، فلمَّا بلغت إلى قولي:

ومن بعدها تُسألُ العافيهْ

قال: لا، بل من قبلها، ثمَّ قال: [ما] حاجتك؟ فأنشدت: [من الكامل]

ماذا أقولُ إذا انصرفتُ وقيل لي … ماذا لقيتَ من الجوادِ المُفْضِلِ

إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلْ … بخلَ الجواد بماله لم يجمُلِ

فاختر لنفسِك ما أقول فإنَّني … لا بدَّ مخبرُهم وإنْ لم أُسألِ

فقال: إذًا والله لا أختارُ إلَّا أحسنَها، كم قد أقمت ببابي؟ قلت: أربعةَ أشهر، فأعطاني مئة ألف درهم وعشرين ألفًا؛ لكلِّ يوم ألف درهم (٢).

ودخل أبو تمام عليه وعنده خيلٌ، فأعجبَه بِرْذَونٌ، فطلبَه منه، فأرادَ مالك أن يُولَعَ به، فأخرجه عنه، فقال أبو تمام: اسمع، فقال: على هذه السرعة؟! قال: نعم، وأنشده: [من البسيط]

اسمع مقالي وخيرُ القول أصدقُه … وإنَّما لكَ في ذي اللُّبِّ منطقُهُ

وبابكَ الدهرَ مفتوحٌ لطارقِه … غيري ويُطرقُ دوني حين أطرقُهُ

إنِّي أحبُّكَ فاسمع قوله ذي ثقةٍ … ما المالُ مالُكَ إلَّا حينَ تُنفِقُهُ

والناس شتَّى فذو لؤمٍ وذو كرمٍ … والعِرْض سورٌ وبذلُ المالِ خندقُهُ

والسورُ ما لم يكن ذا خندقٍ غَدِقٍ … بالماءِ هان على الراقي تَسلُّقُهُ

ها قد هززتُ وما في الهزِّ منقصةٌ … والمسكُ يزدادُ طيبًا حين تَفْتِقُهُ (٣)


(١) ما بين حاصرتين من (ب). وفي (خ) و (ف): فيها.
(٢) تاريخ دمشق ٦٦/ ١١٩.
(٣) في تاريخ دمشق ٦٦/ ١٢٠: ننشقه.