للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الصحراء، ورماه بخشبٍ (١) كان في يده، فوقع في لَبَّتة فسقط، فقال: لغلمانه حُزُّوا رأسَه فحزُّوه، وقيل: إنما فعل به ذلك لأنَّه تعرَّض لغلام من غلمانه.

وبلغَ هبةَ الله أن عمَّه قد أفاق من مرضه، فاستوحش، وسار من فوره إلى حَرَّان، وتبعه نجا غلامُ سيف الدولة، فلحق سوادَه فأخذه، ورجع به إلى سيف الدولة، ودخل هبةُ الله حرَّان، فأوهم أهلَها أنَّ عمَّه مات، وأنَّه قد كتب إلى أبيه ليُنْجِدَه بالرجال ويقيم بحَرّان، وطلب من أهلها أنْ يَحلِفوا له، ويكونوا معه على مَن حاربه، فحلفوا واستثْنَوا في أيمانهم إلا أنْ يكون الذي يُحاربه عمُّه فإنَّهم لا يحاربونه، وكانوا قد أغلقوا أبواب البلد في وجهه قبل ذلك، فأرادوا أنْ يَغسلوا ما فعلوا.

فلمَّا كان بعد أيامٍ وافى أخو نجا غلامُ سيف الدولة، فأغلقوا الأبواب في وجهه، فأظهر أنَّه قاصدٌ مَيَّافارِقين، وكتب إلى نجا يُخبره، فسار نجا بنفسه، فانهزم هبةُ الله إلى أبيه بالموصل، ونزل نجا بظاهر حَرَّان وذلك في شوال، وخرج إليه وجوه أهلها للسلام، فوكَّل بهم وتهدَّدهم بالقتل وقال: أغلقتُم الأبواب في وجه أخي؟ فاعتذروا، وطالبَهم بألف ألف درهم خيانةً، وتردَّدت الرسائل بينهم على ثلاث مئة ألف وعشرين ألف درهم، وقال: أُريد المال.

وبعث معهم الفرسان والرَّجَّالة، وألزمهم الأجعال الثقيلة، فدخلوا البلد، وقسَّطوا المال عليهم، على الأغنياء والسُّوقة والنساء وغيرهم، فباع الناس ما يساوي درهمًا بدانِق، ولم يجدوا مَن يشتري، فاشتراه أصحاب نجا بأوكس ثمنٍ، وخرِبت حَرَّان، وافتقر أهلُها، واستوفى نجا المال، وسار إلى مَيّافارِقين عاصيًا على مولاه سيف الدولة، وبقي البلد شاغرًا بغير سلطان، وتسلَّط العيَّارون على أهله.

وفي يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة -وهو يوم غدير خُمّ- أُشعلت النيرانُ ببغداد، وضُربت الدَّبادِبُ (٢) والبوقات، وأصبح الناس إلى مقابر قريش للصلاة هناك، وإلى مشهد الشيعة.

قال ثابت بن سنان: وأنفذ بعض البطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة (٣) رجلين


(١) حربة صغيرة، انظر تكملة المعاجم ٤/ ٩٨، والمعجم الذهبي ٢٣٩.
(٢) هي الطبول.
(٣) في (ف م م ١): وذكر ثابت بن سنان في هذه السنة عجائب، منها أن بعض بطارقة الأرمن أرسل إلى ناصر الدولة. والمثبت من (خ)، وانظر المنتظم ١٤/ ١٥١، وتاريخ الإِسلام ٨/ ١١، والنجوم الزاهرة ٣/ ٣٣٤.