للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال سديد الدولة ابنُ الأنباري: لما قُتِلَ الخليفة استدعاني السُّلْطان مسعود، فدخلت عليه أنا والوزير شرف الدِّين عليُّ بنُ طِراد، وصاحبُ المخزن ابن طلحة، فقال لنا: قد كان ما جَرَتْ به المقادير، فما الذي تَرَوْن في أمر الخليفة؟ فقلنا: قد نصحناه أَوَّلًا، فلم يقبل. فقال: دعوني من هذا، وخذوا فيما قلتُ لكم. فقال الوزير: الخلافة لولي العهد، وقد بايعه النَّاسُ قديمًا وحديثًا. فقال: ما أُقرّه على ذلك، لأنَّه يحدِّثُ نفسه بالخروج عليَّ مثل أبيه، وقد عَلِمْتُم أَنَّ المسترشد خَرَجَ على أخي محمود مرتين، وكان قَصدُه هلاكَ بيتنا، وتَمَّ عليه ما تَمَّ، وقد بقيت علينا شناعة عظيمة، وسُبَّة إلى آخر الدَّهر، يقول النَّاس: قتلوا الخليفة، وقد كانوا هم السَّبب في عَوْدِ الخلافة إلى هذا البيت، ولا أُريد إلا رجلًا ديِّنًا لا يُدْخِلُ نَفْسَه فيما لا يعنيه، ولا يخرج عليَّ ولا على أحدٍ من أهلي، وفي الدَّار جماعةٌ، فاعتمدوا على شيخٍ منهم ذي عقل ورأي وتَدْبير، يُلْزِمُ نَفْسَه ما يجبُ من طاعتنا، ولا تعرِّجوا عن هارون بن المقتدي، فإنَّه شيخ كبير لا يَرى الفِتْنة، وقد أشار به عَمِّي سنجر.

قال: وكان في الدَّار جماعةٌ من أولاد المُقْتدي والمستظهر وغيرهما، مقدار نيِّف وعشرين، وكان للرَّاشد نيِّفٌ وعشرون ولدًا لما ولي الخلافة، لأَنَّه بلغ لتسع سنين [مضين من عمره، وسنذكره إن شاء الله تعالى] (١).

ووصل كتابُ سِنْجر إلى مسعود يقول له: لا تولِّي الأمر إلا من يضمنه الوزير، وابنُ الأنباري، وصاحب المخزن. فقالوا: نرضى الزَّاهِدَ العابد الذي ليس في الدَّار مثله. قال: مَنْ هو؟ قالوا: أبو عبد الله بن المستظهر. يعنون المقتفي -وكان صِهْرَ شَرَفِ الدِّين الوزير على ابنته، وكان يوم تزوجها، فُوض إلى أبيها نقابة النُّقباء، ودخل بها، وماتت عنده- فقال السُّلْطان: اكتموا هذه الحالة لئلا تتم، فيظهر الخبر، فَيُقْتَلُ أبو عبد الله. ثم تجهز السُّلْطان إلى بغداد، وهم معه.


(١) في النسخ الخطية: لسبع سنين، وهو خطأ، صوابه من "مفرج الكروب": ١/ ٦٢، وما بين حاصرتين من (م) و (ش).