للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المطيع، وولي بعده تسعة من الخلفاء، والأمر بحاله إلى هذه السنة، فعادت الخطبة، فكان مدَّةُ انقطاعها لبني العباس بمصر مئتي سنة وثماني سنين.

وفيها بعث الخليفة صَنْدَل المقتفوي؛ وهو أكبر الخدم إلى نور الدين جواب [ابن أبي] (١) عصرون بالخِلَع لنور الدين، وفيها الطَّوْق فيه ألفُ دينار، والفَرَجية والعِمامة، ولصلاح الدِّين دونها، وبعث لنور الدين سيفَين، قلَّده سيفًا للشَام وسيفًا لمِصْر، وزينت بغداد وضُربت القِباب.

وفيها بدت الوَحْشة بين نور الدِّين وصلاح الدِّين، لأنَّ نور الدِّين كتَبَ إلى صلاحِ الدِّين بأن يجمع العساكر، ويقدَمَ إلى الشام ليحاصر الكَرَك، ويجتمعا هناك لتدبير أمورٍ لا ذكر لها في كتابٍ، فَبَرَزَ صلاحُ الدين إلى بِلْبِيس، وكتَبَ إلى نور الدِّين يخبره بأنَّه واصِلٌ، وخرج نورُ الدِّين إلى دمشق، فنزل على البَلْقاء، وأقام ينتظره، وشاور صلاح الدين أصحابه، فخوَّفوه من نور الدِّين، فأثنوا عزمه، فكتَبَ يعتذر من اختلال البلاد، وأنَّه متى بَعُدَ عنها لم يأمن أهلَها. فشَقَّ على نور الدين، ولم يقبل عُذْره، وعَزَمَ على قَصْدِ مِصْر، وإخراجِ صلاح الدين منها، وشَرَع يتجهَّز، فجمع صلاحُ الدِّين الأُمراءَ وأهلَه، وقال: ما تَرَوْن؟ وكان فيهم تقيُّ الدِّين عمر بن أخي صلاح الدين، وشهاب الدين خال صلاحِ الدِّين، فقال تقي الدين: إنْ جاء قاتلناه. وكان نجمُ الدِّين أيوب حاضرًا، فسبَّ تقيَّ الدِّين وزَبَرَه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا خالك - عن شهاب الدِّين - أتظنّ في هؤلاء كلَّهم من يحبُّك ويريد لك الخير مِثْلَنا؟ قال: لا، فقال: والله لو رأينا المولى نور الدِّين لم يُمْكِنَّا إلا أَنْ نترجَّل، ونقبِّل الأرض بين يديه، ولو أمرنا بقتلك لفعلنا، فإذا كُنَّا نحن كذا، فكيف غيرنا! وهذه البلاد [له] (٢) ونحن مماليكه، وأنت نائبه فيها، وإذا أراد عَزْلك، فأيُّ حاجة لك في المجيء، يُنفِّذ كتابًا مع نجَّاب يأمرك بالمسير إليه لتنزل إلى خدمته، وهل عندنا له خلاف. وتفرقوا على هذا، وكتَبَ أصحابُ الأخبار إلى نور الدين بصورة المجلس، وأما نجم الدين، فإنه خلا بابنه، وقال له: يا قليل المعرفة، تجمعُ هذا الجمعَ الكثير، وتُطْلعهم على ما في


(١) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).
(٢) ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من "الروضتين": ٢/ ٢٢٨.