للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ضَرْبًا يُزيلُ الهامَ عن مَقِيلهِ

ويُذهِلُ الخليلَ عن خَليلهِ

أو يرجعَ الحقُّ إلى سَبيلهِ

ثم نادى عمار هاشمًّا المِرْقال: أقْدِم يا هالثمم، فالجنّة اليوم تحت ظِلال السُّيوف، والموتُ في أطراف الأَسَل، وقد فُتحت أبوابُ الجنّة، وتزيّنت الحورُ العِين، وحملا فقُتلا جميعًا (١).

وقال ابن سعد بإسناده عن أبي البَخْتَرِيّ قال: قال عمار يوم صِفّين: ائتوني بشَرْبَةِ لَبَن؛ فإن النبي قال لي: "إن آخر شَرْبَةٍ تَشربُها من الدنيا شَربةُ لَبَن"، فأُتي به فشَرِبه، ثم حمل فقاتل حتَّى قُتل (٢).

وقال أحمد (٣) بإسناده عن أبي البَخْتَريّ: أن عمارًا أُتي بشَرْبَةِ لَبَن، فضحك وقال: إن رسول الله قال: "إن آخر شراب أشرَبُه اللّبَن حتَّى أموت".

وقال أبو نُعيم (٤) بإسناده، عن أبي سِنان الدُّؤلي صاحب رسول الله قال: دعا عمار في ذلك اليوم بشرابٍ، فأُتي بقَدَح من لَبن، فشربه وقال: الله أكبر، صدق رسول الله ، قال لي: "يا عمار، إن آخر زادِك من الدُّنيا ضَيحَةُ لَبَن". الضَّيح: اللَّبَنُ الرَّقيق.

وفي رواية: إن عمارًا استسقى ماءً، فجاءته امرأةٌ من بني شَيبان بعُسٍّ فيه لبن، فرفعه إلى فيه وقال: الله أكبر، اليوم أَلْقى الأحبَّة محمدًا وحِزْبَه، ثم نادى عمار: أين مَن يَبتغي رضوان الله، ولا يُوَلّي إلى مالٍ ولا وَلَد؟! فأتَتْه عصابة من الناس، فقال: أيُّها الناس، اقصدوا هذه العصابة التي تَتَعلَّل بدم عثمان، ووالله ما قَصدُهم إلا الدنيا، وقد علموا أن الحقّ إذا لَزِمَهم حال بينهم وبين ما قصدوا إليه، والله لو ضربونا حق يُلحِقونا بسَعَفاتِ هَجَر لعَلمنا أننا على الحقِّ وهم على الباطل، والله لنَضْرِبَنّ اليوم هامَ هؤلاء


(١) وقعة صفين ٣٤١، وأنساب الأشراف ٢/ ٢١٧، ومروج الذهب ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والاستيعاب (١٧٠٥).
(٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٢٣٨.
(٣) في مسنده (١٨٨٨٠) و (١٨٨٨٣).
(٤) في الحلية ١/ ١٤١ - ١٤٢.