للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال حكيم: وُلدتُ قبل عام الفيل بخمس عشرةَ -وقيل: بثلاث عشرة، وقيل: باثنتي عشرة- قال: وأنا أعقلُ حين أراد عبدُ المطَّلب أن يذبحَ ولدَه عبد الله، وذلك قبل مولد رسول الله بخمس سنين (١).

ووُلد حكيم في الكعبة؛ كانت أمُّه تطوف بالبيت، فضربها المخاض، ففُتح لها بابُ الكعبة، وأُتِيَتْ بنِطْع، فولدَتْه عليه.

وشهد حكيم مع أبيه الفِجار الأخير، وفي ذلك اليوم قُتل أبوه حِزام (٢).

قال جعفر بن محمود (٣): بكى حكيم يومًا فقال له ابنُه: ما يُبكيك يا آية؟ قال: خِصال كلُّها أبكاني، أمَّا أوَّلُها فبُطءُ إسلامي حتى سُبقتُ في أماكنَ كلُّها صالحة، ونجوتُ يومَ بدرٍ ويومَ أُحُد، فقلتُ: لا أخرجُ من مكة أبدًا، ولا أُوضِعُ مع قريش ما بقيتُ.

فأقمتُ بمكة، ويأبى اللهُ أن يشرحَ صدري للإسلام، وذلك لأني أنظرُ إلى بقايا من قريش لهم أسنانٌ متمسّكين بما هم عليه من أمر الجاهلية، فأقتدي بهم، ويا ليت أنِّي لم أقتدِ بهم، فما أهْلَكَنا إلا اقتداؤنا بآبائنا وكبرائنا.

فلما غزا رسولُ الله مكة جعلتُ أُفكِّر، وأتاني أبو سفيان بنُ حرب فقال: يا أبا خالد، إني لأخشى أنْ يأتيَنا محمد في جموع يثرب، فهل أنت تابعي على سَرِف (٤) نستعلِمُ الخبر؟ قلت: نعم.

فخرجنا نتحدَّث ونحن مشاة، حتى إذا كنَّا بمرّ الظَّهْران (٥) [إذا رسول الله في الدَّهْم من الناس، فـ] لقيَ العباسُ أبا سفيان، فذهب به إلى رسول الله ، ورجعتُ أنا إلى مكَّة، فأغلقتُ بابي وقلت: لا أُخبرُ قريشًا بشيء من ذلك.

فلما دخل رسول الله فأمَّنَ (٦) الناسَ؛ جئتُه فأسلمتُ.


(١) طبقات ابن سعد ٦/ ٥٠، وتاريخ دمشق ٥/ ٢٥٠ (مصورة دار البشير).
(٢) طبقات ابن سعد ٤/ ٥٠، وتاريخ دمشق ٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨ (مصورة دار البشير).
(٣) بعدها في "طبقات" ابن سعد ٦/ ٥١، و"تاريخ دمشق" ٥/ ٤٥٣: عن أبيه وغيره قالوا.
(٤) سَرِف، موضع على ستة أميال من مكة. معجم البلدان ٣/ ٢١٢.
(٥) مرّ الظهران: موضع على مرحلة من مكة. معجم البلدان ٥/ ١٠٤.
(٦) في النسختين (ب) و (خ): أمن، والمثبت من "طبقات" ابن سعد ٦/ ٥١. وما سلف بين حاصرتين منه.