للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فقرأ كتابَه على الناس، وشقّ على الجَزْل، وبعث الحجّاج سعيد بن المُجالد أميرًا على عَسْكر الجَزْل، وقال له: لا تُناظر المارِقة، وازحف إليهم، واطلُبْهم طَلَبَ السَّبع، وحِدْ عنهم حَيَدان الضَّبع.

وجاء سعيد بن المجالد، فدخل عسكرَ أهل الكوفة، فقام خطيبًا، فوبّخ العسكر وأنَّبهم، وقال: عَجَزْتُم عن طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين، وقد أخربوا بلادكم، وكسروا خراجَكم، وأنتم حاذرون في جوف هذه الخَنادق لا تُزايلونها، اخرجوا على اسم الله، ثم خرج وأخرج الخيل، وكان الجزل قد خَنْدق عليه بالنّهروان، وشبيب قريب منه، ولما أخرج سعيد بن المجالد الخيل والناسَ من الخنادق قال له الجَزْل: ما تريد أن تصنع؟ قال: اُقدم على شبيب في هذه الخيل، فقال له الجزل: أقِم أنت في جماعة الجمش، ولا تُفَرّق أصحابَك، وأصْحِر لهم -أي: اخرج من الخنادق إلى الصَّحراء- فوالله ليَقدُمَنّ عليك، فلا تُفَرّق أصحابَك، فقال له ابن المجالد: قِف أنت في الصف، فقال الجزل: يا سعيد، ليس [لي] فيما صنعتَ رأي، أنا برئٌ من رأيك، وسمعه الجيش ومَن حضر من المسلمين، فقال ابن المجالد: هو رأيي، فإن أصَبتُ كان من الله، وإن يكن غيرَ صواب فأنتم بُرآء.

فوقف الجَزْل في صفّ أهل الكوفة وقد أخرجهم ابن المُجالد من الخنادق، وجعل ابن المجالد على ميسرته عبد الرحمن بنَ عَوف أبا حُميد الرُّواسي (١)، وعلى ميمنته عياض بن أبي لينة الكِندي، والجَزْل في جماعتهم.

وكان شبيب قد نزل بَراز الرُّوز بمدينة يُقال لها: قَطُفْتا (٢)، وأغلق بابها، فصعد دِهقانُها إلى السّطح، فرأى العسكر قد أقبل، وكان قد أعطى الدِّهقان ما يشتري لهم غَداءً، فنزل الدّهقان وقد امتُقِع لَونُه، قال له شبيب: مالك؟! [قال] قد جاءك جمع عظيم، فقال له شبيب: بلغ الشواء بعد؟ قال: لا، قال: دعه، ثم قال: أشْرِف إشرافة أخرى، فقال: قد أحاطوا بالجَوْسَق، فقال: هات شِواءك، فقرّبه فأكلوا، وجعل


(١) في (ص): الرقاشي.
(٢) في (أ): قططنا، وفي (ب) و (خ) و (د): قططيا، وفي (ص): قطيطا، والمثبت من تاريخ الطبري ٦/ ٢٣٥.