للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال الحسن البَصريّ: لقد وَقَذَتْني كلمةٌ سمعتُها من الحجاج بن يوسف، فقيل له: أكلام الحجّاج يَقِذُك؟ قال: نعم، سمعتُه يقول على هذه الأعواد: إن امرأ ذهبت ساعةٌ من عُمره لغير ما خُلق له لحَرِيٌّ أن تَطول عليها حَسْرتُه إلى يوم القيامة.

[قال حَفْص بن النَّضْر السُّلَمي:] قال الحجاج يومًا في خُطبته: أيها الناس، الصَّبر عن محارم الله أيسرُ من الصّبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: يا حجاج، ما أَصفَقَ وَجْهك، وأقل حياءك! تفعل ما تفعل وتقول هذا؟ فأمر به فأُخذ، ثم نزل من المنبر ودعا به وقال: لقد اجترأتَ عليَّ، فقال له: يا حجاج، أنت تجترئ على الله فلا تُنكره على نفسك، وأجترئ أنا عليك فتُنكره عليّ! فوَجَم وقال: خَلُّوا سبيلَه (١).

ذكر كتاب سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج في زمن أخيه الوليد:

كتب إليه في أسباب فلا يقرؤها، ولا ينظر إليها (٢)، فلما طال ذلك على سليمان كتب إليه:

من سليمان بن عبد الملك؛ سلام على أهل الطاعة من عباد الله، فإنك امرؤ مَهتوكٌ عنك حجابُ الحقّ، مُولَعٌ بما عليك لا لك، مُنصرفٌ عن مَنافعك، تاركٌ لحظّك، مُستَخفّ بحقّ ربك وحق أوليائه، مَنكوسٌ في أمرك، مَعتوهٌ في عقلك، لا تَتَلبَّث عن قبيح، ولا ترعوي عن إساءة، ولا ترجو لله وقارًا، حتى دُعيتَ فاحشًا متفحِّشًا، ولله عليّ لئن أمكنني الله منك لأَدوسَنَّك دَوسَةً تَلين منها فرائصُك، ولأجعلنَّك شَريدًا في البلاد والجبال تلوذ بأطرافها، ولأُعَلِّقَنَّ الرُّوميَّةَ الطويلة الحمراءَ بثدييها -يعني أختَه- فقِدْمًا ما غَرَّتْك العافية، وإنْ أخَّرني الزَّمان فسوف ترى، وإن تكن الأخرى فأرجو أن تؤول بك إلى مَذَلَّةٍ ذليلة، وخِزيةٍ طويلة، وأن يُجعل مصيرُك في الآخرة شرَّ مَصير.

فكتب إليه الحجاج: [من الحجاج] بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتّبع الهُدى، أما بعد، فإنك كتبتَ إليَّ تذكر أني مَهتوكٌ عنّي حجابُ الحق،


(١) الأخبار الثلاثة في "تاريخ دمشق" ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥ وما بين معكوفين من (ص).
(٢) كذا في (خ) و (د)، وليس في (ص)، وفي "العقد" ٥/ ٤١: كان سليمان يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد كتبًا فلا ينظر له فيها. وما سيرد بين معكوفين من العقد.