للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خاقان ليطفئَ نُورَ الله، واللهُ مُتمُّ نورِه وخاذلُه إن شاء الله، ولا تنظروا إلى قلَّتِكم وكثرتِهم وما جرى على إخوانكم، فإنَّ الله ناصرُكم وخاذلُهم، فضعوا جباهَكم على الأرض، وسَلُوا اللهَ النصرَ، فأقربُ ما يكون العبدُ إلى الله في سجوده (١). ففعلوا، ثم دعا ونزل بعد أن صلَّى بهم صلاة العيد.

ثم استشار أصحابَه في لقاء خاقان، وكان قد قَرُب من بَلْخ، ولم يبق إلا المُنازَلة، وقد جمع خاقان جمعًا عظيمًا ممَّا وراء النهر، وكان في ثلاثين ألفًا، وأسد في طائفة يسيرة، قد تفرَّق عنه مُعظمُ جيشه، فقال: ما تقولون؟ فاختلفوا، فقال بعضهم: نقيم ببَلْخ، ونكتب إلى خالد والخليفة نستمدُّهما. وقال آخرون: نسلك طريقًا قربيةً إلى مَرْو، ونسبقُ خاقان إليها. وقال نصر بن سيَّار وآخرون: بل نخرجُ إليهم. فقال أسد: هذا هو الرأي. ففرَّقَ أموال بَلْخ في الناس وقوَّاهم وشجَّعَهم (٢).

ثم ارتحل وعلى مقدِّمته سالمُ بنُ منصور البجلي [في ثلاث مئة] (٣) فلقيَ طليعةً من التُّرك في ثلاث مئة، فأسرهم وقتلهم وهرب بعضُهم (٤).

وسار إليه خاقان، فلما تراءى الجمعان قال خاقان للحارث: ألستَ القائل: إنَّ أسدًا لا يقدر على الخروج من بَلْخ لضعفه؟ فقال له الحارث: إنما هم أكْلَةُ آكِل.

وعبَّأَ خاقان جيوشه، وقيل: إنَّه لم يكن معه إلا أربعة آلاف -وكان قد فرَّق جيوشه في الغارات نحو مَرْو وخُراسان والجُوزْجان- وجعل في الميمنة ملك السُّغْد وصاحب الشاش وصاحب الخُتَّل، وفي الميسرة الحارثَ بنَ سُريج (٥)، ووقف خاقان في القلب ومعه التُّرك وخواصُّه. وعَبَّأ أسد العسكر، فجعلَ في الميمنة الأزد وتميم وملك الجُوزْجان، وفي الميسرة أهل الشام وقنَّسرين وربيعة، ووقف هو في القلب قد ضرب فسطاطه، ونصب سريرَه.


(١) أخرج الإمام أحمد (٩٤٦١) ومسلم (٤٨٢) عن أبي هريرة مرفوعًا: "أقْرَبُ ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
(٢) ينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ١١٨ - ١٢٠.
(٣) ما بين حاصرتين من "تاريخ" الطبري ٧/ ١٢١، و"الكامل" ٥/ ٢٠٤.
(٤) في المصدرين السابقين: فأسر قائدهم وسبعة منهم معه وهرب بقيَّتهم.
(٥) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٢٢ - ١٢٣ أن الحارث بن سُريج كان في الميمنة أيضًا.