للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال الهيثم: ألفى نفسه يومًا في البِرْكة وعنده مَعْبَد المغنّي، فأعطاه ألف دينار، وقال: اكتُمْ عليَّ (١).

وقال أبو الفرج الأصفهاني: دخل عليه يومًا عَطَرَّدُ المغنِّي وهو قاعد على شَفِير بِرْكةٍ مُرَصَّصَةٍ (٢) مملوءةٍ خمرًا، ليست بالكبيرة، ولكن يدورُ الرجلُ فيها سِباحةً، فقال له: غَنِّ: حَيِّ الحُمُولَ.

فقال عَطَرَّدُ:

حَيِّ الحُمولَ بجانبِ العَزْلِ (٣) … إذْ لا يُلائمُ شكلُها شَكْلي

إنِّي بِحَبْلِكِ واصلٌ حَبْلِي … وبِريشِ نَبْلكِ رَائشٌ نَبْلِي

وشمائلي ما قد علمتِ وما … نبحَتْ كلابُكِ طارقًا مثلي

قال: فشقَّ ثيابه -وكان عليه بُرْدَة صنعانية لا يُدْرَى ما قيمتُها- حتى خرج منها كيومَ ولدَتْه أمُّه، ثم رمى بنفسه في البِرْكة، فشربَ منها حتى عُرف فيها النُّقصان، وأُخرج ميِّتًا سَكِرًا، وضَمَمْتُ البُرْدة إليّ ومضيتُ إلى منزلي.

ثم دعاني في اليوم الثاني وقال: غنِّ، فغنَّيتُ:

أيذهبُ عمري هكذا لم أَنَلْ به … مجالسَ تَشْفي قَرْحَ قلبي من الوَجْدِ

وقالوا تداوى إنَّ في الطب (٤) راحةً … فعزَّيتُ (٥) نفسي بالدواء فلم يُجْدِي

فشَقَّ بُرْدَةً عليه مثلَ تلك، وألقى نفسَه في البِرْكة، فنهل منها حتى أُخْرِج ميِّتًا سَكِرًا.

فلما كان في اليوم الثالث دعاني وفعل كذلك، فلما أفاقَ دفعَ إليَّ خمس مئة دينار، وقال: كأنِّي بك وقد قدمتَ المدينة وقلتَ: فعلَ الوليد كذا وكذا. والله لئن قلتَ كلمةً لأقتلنَّك.


(١) الأغاني ١/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) في (ص): مرصَّعة.
(٣) العَزْل: ماءٌ بين البصرة واليمامة. ذكره ياقوت في "معجم البلدان" ٤/ ١١٩، وأورد عنده هذا البيت، ونسبه لامرئ القيس. (وينظر الكلام بعد تعليقين). والحُمول: جمع حِمْل، وهو الهَوْدَج.
(٤) في (ص): القلب.
(٥) في "الأغاني" ٣/ ٣٠٨: فعلَّلْتُ.