للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عيسى إذا ركب أسمعوه ما يكره فشكاهم إلى أبي جعفر، فتقدَّم إلى الجند بأن لا يؤذوه، وقال: عيسى جلدة ما بين عيني، ومن آذاه قتلته، فكانوا يكفُّون ثم يعودون، ثم إنَّ أبا جعفر كتبَ إليه كتابًا طويلًا يذكرُ فيه ما كانوا فيه على أيام بني أمية، وأنَّ الله أنقذهم ونصرَهم عليهم، ثم قال في آخره: وإنَّه لما نشأ هذا الغلام -يعني المهدي- قذفَ الله في قلوب شيعتنا وأنصارنا محبَّتَه، وأشربَها مودَّته، فصاروا لا يذكرون إلَّا فضلَه، وهم لا ينوهون إلَّا باسمه، فلمَّا رأى أميرُ المؤمنين ما قذفَ الله في قلوبهم من ذلك علمَ أنَّ الله تعالى تولَّى ذلك، وأنَّه ليس لأحدٍ فيه من العباد صنعٌ، فلم يجد بدًّا من متابعتهم (١) واستصلاح قلوبهم، فأحبَّ أن يعلمَك ذلك؛ ليكون ابتداؤه من قِبَلك؛ لتعلم شيعتنا وأنصارُنا من أهل خراسان أنَّك أسرعتَ إلى ما أحبُّوا، والسلام.

فكتب إليه عيسى كتابًا طويلًا، منه: أما بعد، فإنَّني وصلني كتابُك، تذكرُ فيه ما أجمعتَ عليه من خلاف الحقّ، وركوب الإثم في قطيعة الرَّحِم، ونقضِ ما أخذَ الله عليه الميثاق من العامَّةِ بالوفاء للخلافة، والعهدِ من بعدك؛ لتقطعَ ما أمر الله به أن يوصل من حبله، وتفرِّقَ ما ألَّفَه من جمعه، وتجمع [بين] (٢) ما فرق الله من أمره؛ مكابرةً لله في سمائه، ودخولًا (٣) عليه في قضائه، ومتابعةً للشيطان في هواه، ومن كابرَ الله صرعه، ومن نازعه قمعَه، ومن خادعه خدعه، ومن توكَّل عليه منعَه، ومن تواضعَ له رفعه، إنَّ الذي أُسِّس عليه البناءُ، وحض عليه (٤) الحذاءُ من الخليفة الماضي: عهدٌ ليس لأحدٍ من المسلمين رُخصة ديه، فلا يدعونَّك إلى الأمن من البلاء الاغترارُ بالبقاء، والترخيصُ في ترك الوفاء، فإنَّ من أجابَك إلى ترك ما وجب لي، واستحلَّ ذلك منِّي، لم يخرج إن أفتيته بالرخصة وأمكنته الرخصة (٥) أن يكون إلى ذلك منك أسرع، ويكون بالذي أسَّست من ذلك أبْخَع، فاقبل العافية، وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيت بقوة، وكن من الشاكرين، ومن راقبَ الله حفظَه، ومن أضمر خلافَه


(١) في (خ): مبايعتها.
(٢) ما بين حاصرتين من (ب).
(٣) في تاريخ الطبري ٨/ ١٧: وحَوْلًا.
(٤) في تاريخ الطبري ٨/ ١٧: وخُطَّ عليه.
(٥) في تاريخ الطبري ٨/ ١٧: إذا أمكنته الفرصة، وأفتنتهُ الرخصة ....