للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال العُتْبي: مرض يحيى، فكان إسماعيل بن صبيحٍ إذا عاده جلس عند رأسِه، ودعا له، ثم يخرج فيسأل الخادمَ عن نومه وأكلِه وشرابِه ولا يسأل يحيى، فلمَّا بريء قال: ما عادني (١) إلَّا إسماعيلُ بن صبيح.

[وحكى الخطيبُ (٢) عن محمَّد بنِ يحيى النَّديمِ قال:] قال يحيى: ثلاثةُ أشياءَ تدلُّ على عقول أربابِها: الهديَّة، والكتاب، والرسول. [قال:] وقال لولده: اكتبوا أحسنَ ما تسمعون، واحفظوا أحسنَ ما تكتبون، وتحدَّثوا بأحسنِ ما تحفظون.

و [قال عليُّ بن عيسى:] كان يقول: إذا أَقبلت الدنيا فأَنفق؛ فإنَّها لا تفنى، وإذا أَدبرت فأَنفِق، فإنَّها لا تبقى.

وقال: حاجبُ الرجلِ عاملُه على عِرضه. ومَن بلغ رتبةً فتاهَ بها، كان محلُّه دونها.

وقال: يدلُّ على حِلم الرجلِ سوءُ أدبِ غلمانه. وقال لابنه: خذ من كلِّ شيءٍ طرفًا؛ فإنَّ مَن جهل شيئًا عاداه.

وقال [الأصمعيّ: كان يحيى يقول] (٣): الدنيا دُوَل، والمالُ عارية، ولنا بمَن كان قبلَنا أُسوة، وبمن بعدنا عِبرة.

واختطَّ جعفرٌ دارًا، فقال له أبوه: يا بُنيّ، هي قميصُك، فإن شئتَ فضيِّق، وإن شئت فوسِّع.

وكتب إلى هارونَ من الحبس رُقْعةً يقول فيها: لأمير المؤمنين وخليفة ربِّ العالمين، من عبد أَسلمتْه ذنوبُه، وأَوْبَقتْه عيوبُه، وخذله شقيقُه، ورفضه صاحبُه ورفيقه، فعَثَر به الزمان، ونزل به الحَدَثان، فحلَّ في الضِّيق بعد السَّعة، والبؤسِ بعد الدَّعة، ولبس البلاءَ بعد الرَّخاء، وافترش السخط بعد الرِّضا، واكتحل السُّهادَ وعَدِمَ الرُّقاد، فساعتُه شهر، وشهرُه دهر (٤)، جَزَعًا يا أميرَ المؤمنين -قدَّمني اللهُ قَبلَك- على ما فات من قُربك، لا على شيءٍ من المواهب؛ لأنَّ الأهلَ والمال كانا عارية، والعارِيةُ


(١) في (خ): ما دعاني. والكلام ليس في (ب).
(٢) في تاريخه ١٦/ ١٩٥. وما بين حاصرتين من (ب).
(٣) ما بين حاصرتين من (ب).
(٤) في العقد الفريد ٥/ ٦٨، والمحاسن والمساوئ للبيهقي ص ٥٣٥: وليلته دهر.