للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لملك الموت: إذا أُمِرْتَ بي فأَعلمني، فأتاه فقال: قد أُمِرتُ بك، وقد بقيت لك سُوَيْعة، فدعا الشياطين وقال: ابنوا لي صرحًا من قوارير ليس له بابٌ، ففعلوا، وقام يصلي، ودخل عليه ملكُ الموت فقبضه وهو متكئ على عصاه (١).

وفي رواية أخرى: أنَّ سليمان قال ذات يوم لأصحابه: قد آتاني الله من المُلْك ما ترون، وما مرَّ عليَّ يومٌ بحيث صفا لي من الضَّرر، وقد أحببتُ أن يكون لي يومٌ واحد يصفو إلى الليل ولا أغتمَّ فيه، وليكن ذلك اليوم غدًا. فلما كان من الغد دخل قصرًا له، وأمر بإغلاق أبوابه، ومنع الناس من الدخول عليه ورَفْعِ الأخبار إليه، لئلا يسمع من ذلك ما يسوؤه. ثم أخذ عصاه بيده وصعد فوق قصره واتكأ على عصاه ينظر في ملكه، إذ نظر إلى شابٌّ حسن الوجه عليه ثيابٌ بيضٌ قد خرج عليه من جانب القصر، فسلَّم عليه فقال سليمان: من أين دخلتَ وقد منعنا الناس من الدخول؟ فقال: أنا الذي لا يحجبني حاجبٌ، ولا يردُّني بوَّاب، ولا أهابُ الملوك، ولا أقبل الرِّشا، وما كنت لأدْخلَ هذا القصر بغير إذن، وما دخلت إلا بإذن ربي. قال: فأنت حينئذٍ مَلَكُ الموت، قال: نعم جئت لقبض روحك، فقال: هذا يومٌ أردتُ أن يصفو لي من الكَدَر ولا أسمعُ فيه ما يغمني، فقال له ملك الموت: ذاك اليوم الذي تشير إليه لم يخلق في دار الدنيا، فارض بقضاء ربك فإنه لا مردَّ له، فقال له: فامض لما أُمرتَ به، فقبضه وهو متكئ على عصاه. وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه ومصلَّاه أينما كان، وكان للمحراب كوىً بين يديه ومن خلفه، وما كان شيطان ينظر إليه وهو في محرابه إلا احترق، فدخل شيطانٌ من جانب وخرج من جانب ولم يحترق، فنظر إلى سليمان وقد خرَّ ميِّتًا فأخبر الناس، ففتحوا الباب وأخرجوه، ووجدوا الأَرَضَةَ قد أكلت مِنْسأته- وهي العصا- ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأَرَضَة على العصا، فأكلت منها يومًا وليلة، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانت الجن تعمل بين يديه بعد موته حولًا كاملًا، فأيقن الناس أن الجنَّ كانوا يكذبونهم لأنهم لو عَلِموا بموته ما عَمِلوا (٢). ثم قالت الشياطين للأَرَضَة: لو كنتِ تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت


(١) انظر "عرائس المجالس" ص ٣٢٨.
(٢) انظر "عرائس المجالس" ص ٣٢٩.