للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكتب عزُّ الدولة إلى سُبكتكين كتابًا يَتضمَّن عِتابَه، فمنه: أما بعد؛ أطال الله يا أخانا على الطَّاعة اللائقةِ بك، والهداية المشاكِلة لفضلك بَقاك، وأدام عُلُوَّك وأبقاك، وأمتَعَنا بك في عَودِك إلى المَعْهود منك، وانصرافَ (١) عنا نَزْغَ الشيطان بك، إن أوْلى ما اعتمد عليه العاقلُ وأتاه، وذهب إليه وتَوخَّاه: أن يَعرف الحقَّ الذي عليه، فيُؤَدِّيَه كما يَنبغي له ويَقتضيه، وأن يَحتَرِز في مَجاري كَلِمِه، وَيَتَوَقَّى في مَساعي قَدَمِه، مما يوقع النَّقْصَ في الدِّين، ويُسْخِطُ ربَّ العالمين، وإذا نزلت به نعمةٌ قَراها بغاية شُكرِه وحَمدِه، وأحسنَ ضِيافتَها بوُسْعِه وجُهدِه، وصانها عن عَواقب إنكارِه وجَحْدِه، إذ كان المنعم شَرَط ألا يَريم (٢) ألا يَريم ما وجدته، ولا يُقيم ما فقدته، وكثيرًا ما يُسْكِر الواردين حِياضُها، ويُغْشي عُيونَ المُقْتَبِسين إيماضُها، فيَذْهَلون عن الامتراء لدِرَّتها، ويَعْمَهون عن الاستمتاعِ بنَضْرَتها، ويكونون كمَن أطار طائرَها لما وَقَع، ونَفَّر وَحْشِيَّها لما أنِس، ولا يَلبثون أن يَتَعَرَّوا من جِلبابها، ويَنْسَلخوا من إهابها، وَيتَعَوَّضوا منها بالحَسْرَةِ والغَليل، والأَسَفِ الطَّويل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ونُعيذُك بالله من الاستمرار على ذلك، ونَسأله أن يَأخُذَ قبل التَّمادي فيه بيدك.

وأنت - أدام الله عِزَّك - الرجلُ الرَّاجِح، الذي قد حَلَبَ الدَّهْرَ أَشْطُرَه، وعَرف خَيرَه وشَرَّه، وتَحلَّى بحِلْيةِ الكُهول، وتَجَلَّل بملابس أرباب العقول، وقبيح بك أن تَهفُوَ هَفْوَة الجَذَعِ وقد قَرَحْتَ واحتَنكْتَ، وأن تَغْلَطَ وقد مارَسْتَ ودارَسْت، وقد أجرى الله لك على أيدينا، وعلى يد الأمير معزِّ الدولة نَضَّر الله وَجْهَه قِبَلَنا نِعمًا، ما ندَّعي عليك شيئًا منها إلا وأنت له مُسَلِّم، ولسانُ حالك به مُتَكَلِّم؛ لأن ذلك السيد الماضي غفر الله له أعطاك ما لم تَسْمُ لك إليه هِمَّة، وخَوَّلَك ما لم يَبْلُغ منك إليه أُمنيَّة، وفَضَّلك على كثير من عبيده وأوليائه، وأدانِيه وأقربائه، ولم يَدُرْ في خَلَدِه أنَّ مِثلَ إحسانه إليك يُكْفَر، ولا أن مِثلَ مَتْجَرِه فيك يَخْسَر، وقد جَذَب بضَبْعَيك من مَطارحِ الأرِقَّاء العَبيد، إلى مراتب الأحرارِ الصِّيد، وأوْطَأ الرِّجال عَقِبَك، وأكثر مالك ونَسَبك، وعَظَم خَطَرَك وقَدْرَك، وأبعَدَ صِيتَك وذِكْرَك.


(١) كذا، ولعلها: وصرف.
(٢) في يتيمة الدهر ٢/ ٢٩٨، والتذكرة الحمدونية ٢/ ٢٦٥: للنعم شروط من الشكر لا تريم ما وجد ولا تقيم ما فقد.