للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

نبغ ببلاد خُراسانَ، وصَقْع المولتان من الفئة الباطنية الفجَّار، حتَّى خلَتْ بقاع الهند والسند من فراعنة أغتامها (١)، وطُهِّرت من عُبَّاد أصنامها، وبُدِّد من الباطنية في البلادِ والممالكِ المعصومةِ برأيه وحسامه الموكولة إلى نقضه وإبرامه كلُّ شملٍ كاد يلتَئِم، وفُرِّق كلُّ جمعٍ كاد ينتظِم، وتشرَّد الناجون منهم إلى أبعد الأقطار، وتساقطوا إلى أغمض البقاع وأبرح الأمصار، وكانت مدينةُ الريِّ من بين البلاد مخصوصةً بالتجائهم إليها، واجتماعِهم بها، وإعلانهم فيها بالدعاء، إلى كفرِهم وإلحادِهم وغيِّهم وفسادِهم، يختلطون بالمعتزلةِ المبتدعةِ والغاليةِ والروافضِ المخالفةِ للكتاب والسنة، فيُجاهرون بشتم الخلفاء الراشدين من الصحابة، ويسِرُّون اعتقادَ الكفر ومذهبَ الإباحة، وكان زعيمهم رستم بن علي الدَّيلمي -يعني فخر الدولة- يُحيي عادةَ سلَفِه من المحاماةِ عليهم، والموافقةِ لهم، لا ينكر عليهم قولًا ولا فعلًا، ولا يُغيِّر فيهم مثالًا ولا رسمًا، قد نضَّبوه بينهم صنمًا كالأصنام، واقتسموا مملكتهم فيما بينهم، قِسمة الجزور بالأزلام، وكان العبدُ يعزم على هذا الجهاد، فيحول القضاءُ بينه وبين المراد، فحين بلغ الكتابُ أجلَه، واستكملَ منتهاه وأملَه، سار العبد بالعسكر نحو جُرجان، وتوقَّف بها إلى انصراف كلَبِ الشتاء، ثم سار منها إلى الدامغان، ووجَّه غالِبًا الحاجبَ في مُقدِّمة العساكر إلى الريِّ، فأحاط بها في نهار الاثنين التاسع من جمادى الأولى، وبرز رستم بن علي من وجاره (٢) على حكم الاستسلام، فقبض عليه وعلى أعيان الباطنية من قُوَّداه، وخرج الدَّيالمة من خيامهم معترفين بذنوبهم، شاهدين على نفوسهم بالكفر والرفض، فبرِئَتْ منهم الذمَّة، وحلَّت بهم النقمة، وبَرِمَتْ بهم النِّعمة حين أساؤوا جوارَها، ونفرَتْ عنهم العامَّةُ حين أغفلوا مقدارَها، واستعفَتْ من ألقابهم المنابرُ، واشتاقَتْ إلى قَتْلِهم وصَلْبِهم القلوبُ والنواظر، وحين رُجعَ إلى الفقهاء والأعيان في تعرُّف أحوالِهم -بعد ما عمَّتْ منهم أنواعُ الأذيَّة، ووضح من إقدامهم على هَتْكِ المحارِم، وسَفْكِ الدماء واغتصابٍ لأموال طبقات الرعية، فاتفقت فتاواهم على أنَّ جميع الدَّيالمة داخلون في أهل الفساد، مستمِرّون على السرقة والغارة


(١) جمع غُتْمي: وهو الَّذي لا يُفصح في منطقه معجم من اللغة ٤/ ٢٦٧.
(٢) الوجَار: جحر الضبع والذئب ونحوهما. المعجم الوسيط (وجر).