للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

طُعِنَ برمح فصاح، وقال: يا أبي الذي في السِّماء إنْ قدرت أنْ تصرف عني هذا الكأس فافعل، ومعنى أبي، أي: رَبِّي، وقد تكررت منه هذه اللفظة، فإنه قال للحَوَارِيِّين: إذا سألتم الله فقولوا: يا أبانا الذي في السَّماء افعل كذا، ولا خلاف بين المسلمين: أنَّ المصْلُوب غير عيسى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].

وقال ابن أبي نَجِيح: جاءت مريم بعد أيام إلى الخشبة ومعها امرأة كان عيسى دعا لولدها فَشُفيَ من المرض، فوقَفَتا تبكيان، فجاءهما عيسى فقال: ما لكما تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إنَّ الله رفعني إليه ولم يُصبني إلا خير (١)، وإنَّ هذا شيء شُبِّهَ لهم.

وقال كعب: وجدتُ في بعض الكتب: أن الله تعالى قال بعد سبعة أيام: يا عيسى انزل إلى مريم المَجْدَلانيّة -نسبها إلى قرية بالجبل يقال لها: المجدل- فإنَّه لم يبك عليك أحدٌ بكاءها، ولم يحزن عليك حزنها، ثم اجمع الحواريين وبُثَّهُم في الأرض دعاة إليَّ، فنزل على جبلٍ ببيت المقدس فاشتعل نورًا، وجَمَع الحَوَاريِّين وبَثَّهم في الأرض، ثم رفعه الله إليه، وتلك اللَّيلة التي تدخن فيها النَّصارى (٢). فلمَّا أصبح الحَوَاريُّون تحدث كل واحدٍ بلغة من أُرسل إليهم.

واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] على أقوال:

أحدها: إني قابضك ورافعك إليَّ من غير موت. قاله الحسن البصري، قال: ودليله قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧] أي: رَفَعْتَني وأنا حيٌّ وافيًا لم ينالوا مني شيئًا.

والثاني: أنَّ معناه: إني مُنيمك من النوم، من قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] لأنَّ النَّوم أخو الموت. قاله الربيع بن أنس.

والثالث: إنَّي حميتك من الموت. قال ابن عباس: توفاه ثلاث سماعات من نهارٍ، ثم أحياه ورفعه إليه.


(١) في النسخ: يصيبني إلا خيرًا؟ والمثبت من عرائس المجالس ٤٠٤.
(٢) انظر "عرائس المجالس" ص ٤٠٥، وفيه أن اسم القرية مجدلان. وانظر "تاريخ الطبري" ١/ ٦٠٢ - ٦٠٣.