للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكتَبَ أصحابُ الأخبار إلى الخليفة بذلك، فبعث إليه سديدَ الدَّوْلة يقول: تتأخر عن بغداد هذه السنة لقِلَّة الميرة، والنَّاس في عقيب غلاء. فقال محمود: لابُدَّ له من المجيء.

وخرج إليه يرنقش الزَّكوي يشكو من استيلاء الخليفة على بغداد، فأَوْغَر صَدْره، وحَثَّه على المجيء، وحقَّقَ في نفسه أَنَّ الخليفة يحاربه، ويمنعه من الدُّخول، فتوجَّه إلى بغداد، وبعث الخليفةُ إليه ثانيًا ينهاه، فأَسْمَعَ الرَّسولَ كلامًا ثَقُلَ على الخليفة، فَشَرَعَ الخليفةُ في إعداد المضارب، وجَمَعَ العساكر، ونودي ببغداد يوم السبت عاشر ذي القَعدة بعبور النَّاس إلى الجانب الغَرْبي، وتُقدِّمَ بإخراج سُرادِقِه إلى الخليفة، وانزعج النَّاس، ولقوا شِدَّةً، ثم بدا للخليفة، فنادوا في النَّاس بالعبور إلى الجانب الشَّرقي إلى منازلهم، لأن الدُّور بالجانب الغربي ضاقت بالنَّاس، ثم حُمِلَ سُرادِقُ الخليفة إلى الجانب الغَرْبي، فَضُرِبَ به رابع عشرين ذي العَقْدة، وعَبَرَ الخليفة إلى الجانب الغربي في أُبَّهة الخلافة.

ولما عَلِمَ السلطان أَرسل إليه يرنقش الزَّكوي وأسعد الطُّغْرائي، فدخلا على الخليفة، وقَبَّلا الأرض، وأدَّيا الرِّسالة، وخَشَّنا في آخرها، فقال الخليفة ليرنقش: أنتَ الذي أَحْوَجْتَه إلى المجيء، وقد بعثتُ إليه أقول: يتأخَّر هذه السنة، وهو يخالفني. وأراد قَتْلَ يرنقش، فمنعه ابنُ صَدَقَة، وقال: هو رسولٌ. وعادا إلى السُّلْطان، وهو بقَرْمسين (١)، فأخبراه بما قال، وَأنه قد عَبَرَ إلى الجانب الغربي، فاستشاط غَضَبًا، ورَحَلَ إلى بغداد.

ولما كان قبل يوم النَّحر بيوم أَمَرَ الخليفةُ بنَصب خيمةٍ كبيرة، وبين يديها خيمةٌ أُخرى، ومدَّ بينهما شقين (٢)، ونصبوا في صَدْر الخيمة الكبيرة منبرًا عاليًا، وحَضَرَ الخواصّ والوزير والنَّقباء والأشراف الهاشميون ووجوه الدَّولة، وخرج الخليفة ومعه ولده الرَّاشد، وهو وليُّ عَهْده، فوقف إلى جانب المِنْبر، وصَلَّى الخليفةُ بالنَّاس صلاةَ العيد، وكان المكبِّرون خطباء الجوامع ابن الغريق وابن المهتدي وغيرهما، فلما فَرَغَ من صلاة العيد صَعِدَ المنبر، ووقف الرَّاشد دونه، وبيده سيفٌ مشهور، فابتدأ الخليفة، فقال: الله أكبر ما سَحَّتِ الأنواء، وأَشْرَقَ الضِّياء، وطَلَعَتْ ذُكاء، وعَلَتْ على الأرض السَّماء. الله أكبر ما هَمَعَ سحاب، ولَمَعَ سَرَاب، وأنجح طِلاب، وسُرَّ قادِمٌ بإياب. الله أكبر ما نبت نجمٌ وأَزْهر، وأينع غُصن وأَثْمر، وطَلَع فَجر وأَسْفَر، وأضاء هِلالٌ وأَقْمر.


(١) قرمسين: بلد بينه وبين همذان ثلاثون فرسخًا قرب الدينور، انظر "معجم البلدان": ٤/ ٣٣٠.
(٢) في "المنتظم": ٩/ ٢٥٦، ومد شقتين من شقاق السرادق بغير دهليز.