للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وحكى أنَّ فقيرًا خرج من سياحته طالبًا للعمران، فاجتاز ببلدة، وغلبته نفسه على العبور، [فآلى على نفسه أن لا يذوق فيها طعامًا، ودخلها،] (١) فاجتاز برجلٍ غَسَّالٍ، يغسل الثياب في السوق، قال: فنظر إليَّ نظرة منكرة، اقشعرَّ لها جِلْدي، فأسرعتُ في المشي، وخرجتُ من البلد، وإذا بصوتٍ [خلفي] (١) يصيح: يا فقير يا فقير. فالتفتُّ، وإذا به الغَسَّال، ومعه طعام، فقال: قد خرجتَ من ذلك العَقْد الذي عقدت أَنَّك لا تطعم نفسك في البلد شيئًا، وقد خرجتَ من البلد، فَكُلْ. فقلتُ: وأنتَ في هذا المقام، وتغسل الثِّياب في السوق! فقال: لا ترفع رأسك، ولا تنظر إلى شيءٍ من عملك، وكُنْ عبد الله ولو استعملك في الحشِّ، فارْضَ [بما أراد لك] (١)، وأنشد: [من الطويل]

ولو قلتَ لي مُتْ قلتُ سَمْعًا وطاعةً … وقلتُ لداعي الموتِ أهلًا ومرحبا

[والظاهر أن الشيخ عبد الله كان ذلك الفقير، لأنه ما كان يخبر عن نفسه، وإنما يكني عن أبناء جنسه.

قالوا] (١): وبَعَثَ إليه الأمجد بن العادل، وكان مقيمًا بالقُدْس، أربعين دينارًا ليقضي بها دَينه، فأخذها الرسول، ولم يوصلها إليه، فجاء الأمجد بعد ذلك إلى زيارته، وقال: بعثتُ إليك بأربعين دينارًا لتقضي بها دَينك، وصلتْ؟ قال: نَعَمْ، أكثر الله خيرك. ثم قام، وعَلِمَ الرجل، فجاء، فبكى عند الشيخ، وقال: الدَّينْ والعائلة. فقال: طَيِّبْ قلبك، قد قلتُ له: إنها وصلت، وأنتَ أَحقُّ منا.

وحكى عن نفسه غير أنه لم يصرِّح، وقال: كان فقيرٌ يدور في جبل لبنان، فوقع عليه حرامية الفرنج، فأخذوه أسيرًا، وربطوه، وبات معهم تلك الليلة في أشدّ ما يكون من العذاب، فلما أصبحوا ناموا، وإذا بحرامية المُسْلمين يطلبون حرامية الفرنج، [(٢) فأيقظ الفقير حرامية الفرنج، وقال:] اقعدوا، فقد جاء حرامية المسلمين، [فدخلوا مغارة، ودخل معهم، فلم يرهم حرامية المسلمين،] (١) فلما بَعُدوا، قال الفرنج له: قد جاءك الفَرَج، فهلَّا دللتَ علينا، وتخلَّصت، أو تبعتَ المُسْلمين؟ فقال لهم: إني صحبتكم، وأكلتُ خبزكم، وفي طريقنا أَنَّ الصُّحبة عزيزة، فما رأيتُ خلاصَ نفسي


(١) ما بين حاصرتين من (ش).
(٢) في (ح): فأيقظهم، فقال .. ، والمثبت ما بين حاصرتين من (ش).