للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وغدا حُكيم بن جَبَلة، وبيده الرُّمح ويبربِر، وهو ينال من عائشة، فقال له رجل من عبد القيس: مَن هذه التي تسُبُّ؟ قال: أمّك، قال: عائشة؟ قال: نعم، قال: يا ابنَ الخبيثة، ألأمّ المؤمنين تقول هذا؟ فطعنه فقتله، وقتل امرأة أخرى بهذا السَّبب، واقتتلوا عامَّةَ النهار، وقيل إلى الزَّوال، وكَثُرت القَتلى والجِراحات في الفريقين، ومُنادي عائشة يَدعوهم ويُناشِدُهم الله أن يَكُفُّوا ولم يَفعلوا، فلما كان في آخر النهار كَثُرت القتلى في أصحاب عثمان بن حُنَيف، وعضّتْهم الحرب، فسألوا أصحابَ عائشةَ الصُّلحَ والمهادنة، فأجابوهم.

وكانت هذه الوقعة في شهر ربيع الآخر، سنة ست وثلاثين، لخمس ليالٍ بقين منه، واصطلحوا على أن يَكتبوا بينهما كتابًا إلى المدينة، ويبعثوا رسولًا إليها، ومَضمون الكتاب: إن كان طلحة والزبير أُكرِها على البيعة لأمير المؤمنين؛ خرج عثمان من البصرة فخلّاها لهم، وإن لم يكونا أكرِها، رجع طلحة والزبير وعائشة عن البصرة، وخَلّوها لعثمان بن حُنَيف، وتواعدوا وتعاقدوا وتعاهدوا على ذلك، وبعثوا بالكتاب مع كعب بن سُور قاضي البصرة، وكان قد قَعَد في بيته، وطيَّن بابَه، واعتزل القوم، فجاءت عائشة بنفسها إليه وأخرجتْه لما نذكر.

قال سيف: وصورة الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومَن معهما من المسلمين، وعثمان بن حنيف ومَن معه من المؤمنين … وذكر بمعنى ما ذكرنا.

وخرج كعب حتى قدم المدينة يوم جمعة، وأقام عند المنبر وقال: إني رسولُ أهلِ البصرة إليكم، هل أُكرِه طلحةُ والزبير على بيعة علي أو أتيا طائعَين؟ فأرَمَّ القومُ؛ إلا ما كان من أسامة بن زيد، فإنه قام فقال: لم يُبايعا إلا مُكرهَين، فأمر به تَمَّامُ بنُ العباس، فداسَه سهل بنُ حُنَيف والناس حتى كادوا يَقتلونه، وثار صُهيب بنُ سِنان وأبو أيُّوب الأنصاري ومحمد بن مَسلمة وجماعة من الصحابة خافوا أن يَقتلوا أسامة، فقالوا: اللهمَّ نعم، وأخذ صُهيب يدَه فأدخله منزلَه، وقال له: أما علمتَ أن أمَّ عامر جائعة، أما وَسِعَك ما وَسِعَنا من السّكوت؟ قال: ما كنتُ أظنُّ أن الأمر يَترامى إلى ما رأيت، أو يُفضي إلى هذا.