للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فبينا هو كذلك إذ قدم عليه الرُّوب خان ملك الرُّوب وسِمِنْجان، فاستأمنه على أن يَدلّه على مدخل قلعة نيزك التي من وراء الشِّعب، فأمّنه وبعث معه رجالًا إلى القلعة في الليل، فطرقوهم فقتلوهم، وهرب الباقون.

ودخل قتيبة الشِّعب، ومضى إلى سِمِنْجان، فأقام أيامًا وبينه وبين نيزك مفازة، ونيزك ببَغْلان، فقدَّم بين يديه أخاه عبد الرَّحْمَن بن مسلم، وسار خلفه، وبلغ نيزك فارتحل من بَغلان، فقطع وادي فَرْغانة، وبعث بأهله وأمواله إلى كابُل شاه، ومضى حتَّى نزل الكَرْز وعبد الرَّحْمَن يتبعه، فتحصّن بالكَرْز، وليس إليه مَسْلك إلَّا من وجه واحد ولا تطيق الدواب سَلوكَه، وجاء قتيبة إلى قريب من عبد الرَّحْمَن، وأقام يحاصر نيزك شهرين، فقلَّ ما عند نيزك من الطعام، وأصابهم الجُدَريّ، وخاف قتيبة الشتاء، فأرسل سُليمًا الناصح إلى نيزك وقال: اجتهد أن تأتيني به بغير أمان، فإن أبي فأمِّنه، ووالله لئِن لم تأتني وهو معك لأقتلنَّك (١)، قال: فاكتب إلى أخيك عبد الرَّحْمَن لا يُخالفني.

وكان بين قتيبة وعبد الرَّحْمَن مقدارَ فَرْسَخ، وعبد الرَّحْمَن قريبًا من العدوّ، فكتب له، فلما وصل إلى عبد الرَّحْمَن قال له: ابعث رجالًا يكونوا على فم الشِّعب، فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشِّعب، فبعث عبد الرَّحْمَن خيلًا فوقفوا في المكان المعيّن، وحمل سُليم معه فنون الأطعمة والحلاوات التي تبقى أيامًا، ووصل إلى نيزك فقال له: خذلتَني يَا سليم -وكان هو الواسطة بينه وبين قتيبة- فقال له سليم: ما خذلتُك؛ وإنما أَنْتَ غدرتَ، وخلعتَ قتيبة، وخرجتَ عليه، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تأتيه، وإلا مكانَه يشتو وتهلك أَنْتَ ومن معك (٢)، قال: على غير أمان؟ قال: ما أظنُّه يُؤمّنك وقد ملأتَ قلبَه غيظًا، ولكن أرى أن لا يَعلم بك حتَّى تَضعَ يدَك في يده، فإنِّي أرجو إن فعلتَ ذلك أن يرضى عنك، فقال نيزك: الذي يغلب على ظني أنَّه متى رآني قتلني، قال: قد قلت لك.


(١) في (أ) لئن عدت وليس هو معك لأقتلنك، والقصة بطولها ليست في (ص)، وانظر الطبري ٦/ ٤٥٤ - ٤٥٧.
(٢) كذا،! وفي الطبري: قد اعتزم على أن يشتو بمكانه.