للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقسَّم أعمال الخلافةِ بينهمْ … وها أنا مربوطٌ (١) بذا الشُّكر مرتهن

فقالت له زينب: فلله دَرُّك يا بُنيَّ ممَّا فعلتَ! ولكن المصلحةَ لبني عمِّك من ولد أبي طالبٍ ما ذكرته لك، قال: ما يكون إلَّا ما تحبيِّن ويحبُّون. ثم فكَّر في عاقبة الأمر، فرأى أن القواعدَ تنخرم عليه، وربَّما خرج الأمرُ من يد بني العباسِ وآل أبي طالب؛ لاختلافهم، وفي الأرض بقايا من بني أميَّة، فربما وجدوا الفرصةَ في تفريق الكلمة [وإثارةِ الفتن وسفكِ الدماء] (٢) فجلس للناس جلوسًا عاما، ودعا وجوهَ بني هاشم (٣)، واستحضر حُلَّةً سوداء، فلبسها ورمى الخُضرة، وخلع على طاهرٍ مثلَها، وعلى وجوه بني هاشم، ورمى الناسُ الخضرةَ ولبسوا السواد، وطابت قلوبُهم.

وأقام المأمونُ ببغدادَ وعليه الخضرةُ تسعةً وعشرين يومًا، وقيل: ثمانيةَ أيام.

و [قال الصولي:] (٤) لمَّا رأى المأمون كراهيةَ الناس الخضرةَ قال: واللهِ ما دخلت بغدادَ وهي عليَّ إلا ليعلمَ بنو العباسِ أنني ما انزعجت لقولهم، ولولا سؤالُ زينبَ لما خلعتها.

ولما دخل المأمونُ بغدادَ تلقَّاه أهلها، فقال له رجلٌ من الموالي: يا أميرَ المؤمنين، بارك اللهُ لك في مَقدَمك، وزاد في نعمك، وشكرك عن رعيَّتك، فقد فُقتَ مَن قبلك، وأتعبتَ من بعدك، وآيستَ أن يُعتاضَ عنك؛ لأنه لم يكن مثلُك، ولا عُلِم شَبَهك، أمَّا فيمن مضى فلا يعرفونه، وأمَّا فيمن بقي فلا يرجونه، فهم بين دعاءٍ لك، وثناءٍ عليك، وتمسُّك بك، أخصب جنابُك، واحْلَولَى لهم ثوابُك، وكَرُمت مقدرتُك، وحسنت أَثرتُك (٥)، فجبرتَ الفقير، وفككتَ الأسير، فأنت كما قيل: [من المنسرح]

ما زلتَ في البذل والنَّوالِ وإِطـ … ـلاقٍ لِعانٍ بجُرمه غَلِقِ (٦)


(١) في المنتظم ١٠/ ١٢٨: فلا زلت مربوطًا.
(٢) ما بين حاصرتين من (ب).
(٣) في (خ): بني العباس.
(٤) ما بين حاصرتين من (ب).
(٥) في (خ): أثرك، والمثبت من تاريخ بغداد ١١/ ٤٣٥، والمنتظم ١٠/ ١٢٩.
(٦) الغلق: المتروك لا يفك. شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤/ ١٦٢٠.