للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان بها والٍ غَشومٌ من قِبَل هارون، فكنت أمنعه من الظُّلم وآخذ على يده، وكان باليمن سبعة -فتحرَّكوا- من العلوية، فكتب إلى هارونَ يقول: عندنا رجلٌ من ولد شافع، وإنه قد اتَّفق مع العلوية، ولا أمرَ لي معه ولا نهي، فكتب هارونُ إليه بحملنا جميعًا، فحملنا، فضرب رقابَ العلوية، ونظر إليَّ فوعظته، فبكى وقال: مَن أنت؟ فقلت: المطَّلبي، فأَعجبه كلامي وأعطاني خمسين ألفًا، ففرَّقتها في حُجَّابه وأصحابِه ومَن على بابه، وقال لي: الزم بابي ومجلسي.

وكان محمدُ بن الحسن صاحبُ أبي حنيفةَ جيِّدَ المنزلة عنده، فجالسته وعرفت قولَه، ووقعت منه موقعًا، فكان إذا قام ناظرتُ أصحابه، فقال لي يومًا: ناظِرني، قلت: أُجلُّك عن المناظرة، قال: لا: [قل]، قلت: ما تقول في رجلٍ غصب ساحةً فبنى عليها [بيتًا] (١) قيمتُه ألفُ دينار، فجاء صاحبُها فأقام البيِّنة أنها ساحتُه؟ قال: له قيمتُها ولا تُقلع، قلت: ولم؟ قال: لقوله عليه الصلاة السلام: "لا ضررَ ولا إضرارَ في الدِّين" (٢) قلت: الغاصبُ أَدخلَ الضررَ على نفسه.

ثم قال محمد: ما تقول فيمن غصب خيطَ إبريسَمَ فخاط به بطنَ نفسِه، فجاء إنسانٌ فأقام البيِّنة أنَّ هذا الخيطَ له؟ أَيُنزع من بطنه؟ قلت: لا، قال: ناقضتَ أصلَك وتركت قولَك، فقلت: لا تعجلْ، هاهنا الضررُ أعظم، وأوردتُ عليه لوحَ السفينةِ ومسائلَ من هذا الجنس. [وهي مناظرةٌ طويلة.

وروى أبو نُعيم الأصفهانيّ عن الرَّبيع قال:] (٣) قال الشافعيُّ رحمةُ الله عليه: وددت أنَّ الخلق يتعلَّمون مني ولا يُنسب إليَّ منه شيء، وما ناظرتُ أحدًا فأحببتُ أن يُخطئ، بل أحبُّ أن يوفَّق ويسدَّدَ، وما أبالي بيَّن اللهُ الحقَّ على لساني أو على لسانه.

[وروى الخطيبُ عن المُزَني عن الشافعي] قال: مَن تعلَّم القرآنَ عظمت قيمتُه، ومن نظر في الفقه نَبُلَ قدرُه، ومن تعلَّم اللغة رقَّ طبعُه، ومن تعلَّم الحساب جزل رأيُه، ومن


(١) ما بين حاصرتين من (ب).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١) وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس وأخرجه ابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت ، وليس فيهما: في الدين.
(٣) ما بين حاصرتين من (ب).