للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بعدك، وأما النحاس فالروم، والحديد فارس، والفخار أمَّتان يملكهما امرأتان: إحداهما بمَشرق المغرب، والأخرى في غربي الشام، وأما الحجر الذي قُذِفَ به الصَّنم فدين يقذف الله به هذه الأمة في آخر الزمان، فيظهر عليها، ويبعث الله نبيًّا من العَرَب فيدوخ الأديانَ كلَّها كما فعل الحجر بالصنم. فقال له بُخْتَ نَصَّر: ما أعلم لأحدٍ عندي يدًا مثل يَدِك، فاختر إحدى ثلاث: أَما أنْ أردَّك إلى بلادك وأعمِّر لك كل شيء أخربته، وإما أن تقيم عندي فأواسيك، وإما أنْ أكتب لك كتابَ أمان تأمن به حيثما سَلَكْتَ. فقال دانيال: أما قولك إنك تردُّني إلى بلادي وتعمر لي كل شيء أخربته فإنها أرضٌ كَتَب الله عليها الخراب إلى أجل معلومٍ، فلستَ تقدر أنْ تعمر ما أخربه الله حتى يبلغ الكتابُ أجله، وينقضي البلاء الذي كتبه الله على أهلها. وأما قولك أن تكتب لي كتابَ أمان فلا ينبغي لي أنْ أطلب أمانَ مخلوقٍ مع أمان الله. وأما مواساتك فهي أرفق بي حتى يقضيَ الله فينا قضاءَه.

فجمع بُختَ نَصَّر ولده وكهنته وحشمه وقال: هذا رجل حكيم قد فَرَّجَ الله كَرْبي الذي عجزتم عنه به، وقد ولَّيتُهُ أمركم، فارفقوا به، واعرفوا قَدْره، وخذوا برأيه، ومتى جاءكم رسولان: رسولٌ من عندي والآخر مِن دانِيال فقدِّموا رسوله على رسولي، وحاجته على حاجتي. ونزل منه دانيال أفضل المنازل، وجعل يدبِّر مُلْكَه، فحسده علماء أهل بابِل وقالوا لبُخْتَ نَصَّر: لقد ذلَّ مُلْكُك وخضع عند الناس منذ ولَّيْتَ هذا العبد الإسرائيلي علينا، فقال: أتنقمون أني ولَّيتُ عليكم أحكمَ النَّاسِ (١)؟!

ولما مات بُخْتَ نَصَّر حبسوه في جُبٍّ مع سبعين، فأخرجه الله، لما نذكر.

وقال السدي: لما رجع بُخْتَ نَصَّر إلى صورته بعد المسخ وردَّ الله عليه مُلْكه، كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عنده، فحسده المجوس ثانيًا وقالوا: إنَّ دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه إلا أن يبول، وكان ذلك عارًا عندهم، فصنع بُخْتَ نَصَّر طعامًا، فأكلوا وشربوا، وقال بُخْتَ نَصَّر للبوَّاب: انظر أول خارج ليبولَ فاضربه بالطَّبَرْزِين (٢)،


(١) انظر "تاريخ الطبري" ١/ ٥٥٤ - ٥٥٥، والكتاب المقدس (سفر دانيال الإصحاح الثاني).
(٢) الطَّبَرْزين: فارسي معرّب، وهو فأس السرج، لأن فرسان العجم تحمله معها يقاتلون به، وقد تكلمت به العرب. انظر "المعرَّب" ص ٢٧٦.