للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خراب البيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يديه؟ فقيل له في المنام: يتيمٌ بأرض بَابِل، يقال له: بُخْتَ نَصَّر، فقير، فتجهَّز دانيال بمال عظيم، وقَدِمَ بَابِل فقسمه بين المساكين، وسأل عن بُخْتَ نَصَّر حتى ظفر به على الطريق وقد فُرِشَ له الرماد لذَرَبٍ (١) كان به، فداواه حتى برئ، وأعطاه عشرين ألف درهم، وأخبرهم أن سَيمْلِك بلادهم ويغزوهم، وطلب منه كتابَ أمان له ولأهله، فكتب لهم. وعاد دانيال إلى الشام، وفرّق بُخْتَ نصر الدراهم في أصحابه، ولزم باب المَلِك سنحاريب، وعظمت الأحداث في بني إسرائيل، وقتلوا الأنبياء، وسجنوا إرميا، فأرسل الله عليهم بُخْتَ نصر، فسار إليهم في ست مئة ألف، فأخرج إرميا من السجن، وقتل على دم زكريا سبعين ألفًا، ولم يقتل شيخًا ولا كهلًا ولا وليدًا، وإنما قتل أبناء الحرب وقادة الجيوش حتى استكمل العدة، وأخرج دانيال كتابَ أمان بُخْتَ نصر فأمضاه، وخرج بهم معه وكانوا خمسة أنفس شبابًا لم يبلغوا الحلم غير دانيال بن حزقيل الأصغر (٢).

ويقال: إنَّ بُخْتَ نصر مزَّق كتاب الأمان وألقى دانيال في جُبٍّ بفلاةٍ بين جبلين إلى أن أخرجه بعضُ أنبياء بني إسرائيل، وكذا ذكر جماعة: أن الذي قتل سبعين ألفًا على دم يحيى بن زكريَّا هو بُخْتَ نصر.

قلت: وليس كما ذكروا، أما حديث حذيفة فلا يثبت عن رسول الله ، والتاريخ يكشف هذا، فإن عند أهل السِّير والعلماء بأخبار العالم من أهل الكتابين والمسلمين أنَّ بُخْتُ نَصَّر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعيا في عهد إرميا، وهي الوقعة الأولى التي أخبر الله عنها بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا﴾ الآية [الإسراء: ٥]، وأنهم بُخْتَ نَصر وجنوده، قالوا: ومن زمان إرميا وبُخْتَ نَصَّر إلى أنْ قُتِل يحيى بن زكريا أربع مئة سنة وإحدى وستون سنة. وقد أشار إلى هذا أبو إسحاق وقال: من خراب بُخْتَ نَصَّر لبيت المقدس إلى حين عمرانه في أيام كيرس بن أحشويرش من قبل بَهمن بن اسفنديار بن يشتاسف تسعون سنة، ومن ذلك إلى ظهور الإسكندر على القدس وحيازته إلى مملكته إحدى وستون سنة (٣).


(١) الذرب: فساد في المعدة.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٥/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) انظر "عرائس المجالس" ص ٣٤٤.