للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال ابن الصابئ: كانت قد نقلت [إلياس] وليَّ العهد [-كذا سمَّاه ابن الصابئ-] إلى دارٍ، وأقامت له الإقامات، ووكلت بخدمته خواصَّ خَدَمها، وواصلته بالملاطفات والافتقاد، فلمَّا يئست من نفسها أحضرت الظاهرَ ابنَ أخيها وقالت له: لقد علمتَ ما عاملتُكَ به وأقَلُّه حراسةُ نفسِكَ من أبيك، فإنه لو تمكَّنَ منكَ لقتلَكَ، وما تركتُ [لك] (١) أحدًا تخافه إلَّا وليَّ العهد. فبكى بين يديها هو ووالدتُه، وسلَّمت إليهما مفاتيح الخزائن، وأوصَتْهما بما أرادت، وقالت لمعضاد الخادم: امْضِ إلى وليِّ العهد وتفقَّد خدمته، فإذا دخلتَ عليه فانكبَّ كأنك تُسائله بعد أن توافق الخدَمُ على ضربه بالسكاكين، فمضى إليه معضاد وقتله ودفنه وعاد فأخبرها، فأقامت ثلاثة أيام وماتت، وتولَّى أمرَ الدولة معضاد الخادم ورجل علويّ من أهل قزوين وآخرون.

قال ابن الصابئ: وكان على حلب -عند هلاك الحاكم- عزيزُ الدولة فاتِك الوحيدي، وقد استفحلَ أمرُه، وعظُمَ شأنه، وحدَّث نفسه بالعصيان، فلاطفَتْه ست الملك [وآنسته]، وراسلته، وبعثت إليه بالخِلَع والخيل بمراكب الذهب وغيرِها، ولم تَزلْ تُعمِلُ الحيلةَ حتى أفسدت غلامًا له يُقال له: بدر، وكان مالكَ أمرِه، وغلمانُه تحت يده، وبَذَلَتْ له العطاءَ الجزيل على الفتك به، ووعدَتْه أن تولِّيه مكانَه، وكان لفاتك غلامٌ هنديٌّ يهواه [ويحبُّه حبًّا شديدًا]، فاستغواه بدر، وقال (٢): قد عرفتُ من مولاكَ مللًا لكَ وتغيُّرَ نيةٍ فيكَ، وعزمَ على قتْلِكَ، ودافَعْتُه دَفَعات، وأنا أخافُ عليك. ثم تركه أيامًا، ووهبَ له دنانيرَ وثيابًا، ثم أظهر له المحبةَ وقال: إن عَلِمَ بنا الأميرُ قتَلَنا. فقال الهندي: فما أفعل؟ فاستحلَفَه واستوثق منه، وقال: إن قبلتَ ما أقولُ أعطيتُك مالًا وأغنيتُكَ، وعِشنا جميعًا في أطيب عيش. قال: فما تُريد؟ قال: نقتُلُه ونستريحُ منه. فأجابه فقال: الليلةَ يشربُ وأنا أسقيه وأميلُ عليه، فإذا سكر فاقتُله. وجلس فاتك على الشُّرب، فلمَّا قام إلى مرقده حمل الهنديّ سيفَه وكان ماضيًا، فلمَّا دخل في اللِّحاف وبدرٌ على باب المجلس واقف، فلمَّا ثقُلَ في نومه غمزَ بدرٌ الهنديَّ فضربه بالسيف فقطع رأسَه، فصاح بدرٌ واستدعى الغِلمان، وأمرهم بقتل الهنديِّ، فقتلوه، واستولى


(١) ما بين حاصرتين ليس في (خ)، واستدركته من باقي النسخ، والنجوم الزاهرة ٤/ ١٩٤.
(٢) في (خ): قالت، والمثبت من باقي النسخ.