للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السلام، ويقال: إنه قصد الاجتماع بعيسى وسار إليه فمات في طريقه. فَلْيتأمَّل، ولم يبقَ لإنكاره على الغَزَالي وجه والله أعلم (١). ثم إنَّ جالينولس إنْ صحَّ ذلك ما طلب من عيسى أن يُبرئ المريض بالبِطِّيخَة، فإنه كان أعرف من عيسى بها، وإنما طلب أنْ يُبرئه بطريق المعجزة لا بطريق الطِّبِّ، فإنَّ جالينوس يشاركه في ذلك، ثم نسب إلى أنه دعا على جالينوس حتى مات وما كان طريق عيسى هذا، لأن الله وَصَفَه بأنَّه يُحيي الموتى لا أنه يُميت الأحياء.

ومنها: إنزال المائدة قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [المائدة: ١١٢]، اختلف العلماء في تسمية أصحاب عيسى بالحَوارِّيين على أقوال:

أحدها: أنَّهم الخواصُّ الأصفياء، والوزراء ومن يصلح للخلافة ويستعان به في النوائب، قاله الحسن البصري، ورواه العوفي عن ابن عباس قال: ومنه قوله : "لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريٌّ وحَوَاريَّ الزُّبَيْر" (٢).

والثاني: إنما سموا بذلك لبياض ثيابهم، وأصل الحَوَر شدة البياض، يقال: رجلٌ أحورُ وامرأةٌ حوراءُ لشدة بياض مقلة العينين، ويقال للدقيق الأبيض: حُوَّارَى، وهذا مذهب أهل اللغة، قال أبو عبيدة: فالحَوَاريُّون هم الذين نُقُّوا من العيوب كما يُنقَّى الدَّقيق الحُوَّارَى مِن لباب البُر.

والثالث: أنهم القصَّارون كانوا يحوِّرون الثياب، أي: يقصِّرونها ويبيِّضونها، قاله الزجَّاج (٣). ووهب قال: ومرَّ عيسى على بحيرة طبريَّة فرأى عليها قصَّارين فدعاهم إلى الله فآمنْوا.

والرابع: أنهم المجاهدون. قاله مقاتل، واحتجَّ بقول القائل: [من الطويل]

وَنَحْنُ أُنَاسٌ تملأ (٤) البَيْضَ هَامُنَا … وَنَحْنُ حَوَارُّيونَ حِينَ نُزَاحِفُ


(١) من قوله: وقال المصنف بعد هذا. . . إلى هنا زيادة من (خ) و (ك)، وهو من دلائل الاختصار للكتاب، والله أعلم.
(٢) أخرجه "البخاري" (٧٢٦١)، و"مسلم" (٢٤١٥).
(٣) انظر "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤١٧.
(٤) في النسخ (على)، والمثبت من زاد المسير ١/ ٣٩٤، والبرصان والعوجان ٥١٥، والشعر لمسكين الدارمي.