للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فاستعطف العلويُّ، يعقوبَ وسأله عن العلوي، فأخبره بأنه كفاه أمره، فاستحلفه بالله وبرأسه فحلف (١)، فأمر المهديُّ العلويَّ بالخروج، فخرج، فبقي يعقوب متحيرًا، فأمر بحبسه في المُطْبِقِ أو في البئر، فحبس فيه، واستمر به سنين في أيام المهديَّ والهادي، وخمس سنين في أيام الرشيد، حتى شفع فيه يحيى بن خالد بن برمك عند الرشيد، ورد إليه ماله وخَيَّرَهُ في المُقامِ حيث شاء، فاختار مكة، فأذن له في ذلك، فأقام بها إلى أن مات سنة ١٨٢ هـ وقيل سنة ١٨٧ هـ وقيل سنة ١٨٥ هـ، كان يعقوب عالمًا سمحًا جَوَادًا كثير البرَّ والصدقة واصطناع المعروف مقصودًا ممدوحًا (٢)، فلعلَّ ما أصابه من الميل إلى اللذات بعد اعتقاله في السجن المطبق كان من أثر الصدمة النفسية التي مُني بها.

أسد بن الفرات السُّلَمي بالولاء أيضًا

يُكنى أسد، أبا عبد الله، وهو إمَّا من خراسان من نيسابور، أو مولود بِحَرَّان من ديار بكر، وقيل: بل قدم أبوه وأمه حامل. وكان عَلَّم القرآن ببعض القَرى، ثم اختلف إلى علي بن زياد بتونس فلزمه، وتعلَّم منه وتفقه بفقهه، ثم رحل إلى المشرق، فجمع من مالك بن أنَس "موطأه" وغيره، ثم ذهب إلى العراق، فلقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو، وكتب عن يحيى بن أبي زائدة وهشيم والحسيب وأبي شريك وأبي بكر بن عياش وغيرهم، وأخذ عنه أبو يوسف موطأ مالك.

حدَّث عن نفسه، فقال: لما خرجتُ من المشرق وأتيت المدينة فقدمت مالكًا، وكان إذا أصبح خرج آذِنُهُ فأدخل أهل المدينة ثم أَهْلَ مصر ثم عامّةَ النّاس، فَكنتُ أدخل معهم، فرأى مَالكٌ رغبتي في العلم، فقال لآذِنِهِ: أدْخِل الْقَرَوِيَّ مع المِصْريين، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلتُ له: إن لي صَاحبين وقد استوحشتُ أَن أدخل قبلهما، فأمر بإدخالهما معي، وكان ابن القاسم وغيره يحملني أن أسأل مالكًا، فإذا أجابني قالوا لي: قل له: فإذا كان كذا وكذا؟ فضاق عليَّ يومًا، وقال: هذه سلسلة بنت سلسلة: إن كان كذا كان كذا، إن أرَدْتَ فعليك بالعراق،


(١) هذا من الحلف بغير الله وحكمه في الشرع الإسلامي معروف.
(٢) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، لتقي الدين الفاسي المكي، ص ٤٧٤ و ٤٧٥، من الجزء السابع، طبع مصر؛ ومرآة الجنان - لليافعي اليمني المكي، ص ٤١٧ و ٤٢٠، الجزء الأول.

<<  <  ج: ص:  >  >>