للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والمتتبع لسيرة القبائل العربية التي انتشرت في تخوم الجزيرة العربية يجد التشابه بين عاداتهم وتقاليدهم، فقد ألفوا حياة التنقل والترحال وأصبحت الغارات من صفاتهم والغزوات من مفاخرهم والحروب الثأرية سمة لهم والشعر ذو الطابع الحماسي هو وسيلة إعلامهم وموضع تعاليهم وتفاخرهم؛ ولذلك فإن للشعر دورا في حفظ وتوثيق سيرهم قبل الإسلام وبعده.

كما دون الشعر ذكر رحلاتهم وتنقلاتهم بين الأصقاع الأخرى من الجزيرة العربية، وبالرغم من أنهم استقروا في أرض الجبلين إلَّا أن هناك بطونا ارتحلت إلى آفاق أخرى في العصر الجاهلي واتصلت بالدول القائمة في الجهات التي ارتحلت إليها سواء في الشام أو في العراق، ولقد كان لارتحالهم واختلاطهم بسكان تلك البلدان سببا في انتشار رسم الطائيين لدى الروم الذين جعل البعض منهم اسم الطائيين بديلا لاسم العرب أو مرادفا له، وكانت بطون جديلة ممن التحقت ببلاد الشام بعد حلفها مع كلب، كما ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل، وقصد الشام في هجرات فردية أعداد من الطائيين واستقروا تحت حكم الغساسنة الذين كانت لهم علاقات طيبة مع قبيلة طيئ.

أما من ارتحل إلى العراق فقد ذكر أن أول موطن لهم في تلك النواحي هو في الحيرة حيث سبقهم إليها أقوام من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة وتميم وسليم ومع وجود أقوام من القبائل العربية التي سبقت طيئا في استيطان الحيرة، إلَّا أن الطائيين اقتربوا من المناذرة وصار لهم حظوة عند كسرى طوال العصر الجاهلي إلى بزوغ فجر الإسلام، الذي يعتبر فجرا جديدا ليس للعرب وحدهم فحسب بل للإنسانية جمعاء.

[شواهد وأدلة]

من خلال ما سبق إيراده من حقيقة سكنى قبيلة طيئ في منطقة حائل وجبالها منذ القرن الثاني الميلادي وانتشارهم في ربوعها حتى شملوا السهل والجبال وأنهم خلق كثيرون كما ذكرت المراجع التاريخية، وهنا قد يسأل القارئ عن أي أثر من آثارهم أو شيء باق يدلُّ على جوانب مدنية أو حضارية تنبئ عنهم وتذكر بماضيهم، شأنهم شأن الأمم التي استوطنت البقاع وظلت آثارها تحدث عن ماضيها وما حققته من تطور وازدهار.

<<  <  ج: ص:  >  >>