للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أشجع إلى الرقة والرشيد بها، فنزل على بني سُلَيْم، ومدح البرامكة وانقطع إلى جعفر خاصة، فوصله الرشيد فأثرى وحسنت حاله. ولما ولَّى الرشيد، جعفر بن يحيى خراسان، جلس لتهنئة النّاس، وأنشده الشعراء ودخل في آخرهم أشجع، فارتجل مقدمة نثرية مختصرة بارعة الأسلوب، قال فيها يُخاطب جعفرًا: (لِتَأذَنْ فيَّ إنشاد شِعْرٍ قضيتُ به حق سؤددك وكمالك، وخَفَّفْتُ به ثِقَلَ أياديك عندي)، فقال له جعفر: (هات يا أبا الوليد)، فأنشده قوله:

أتصبر يا قلب أم تجزع؟ … فإن الديار غدًا بلقعُ

غدًا يتفرَّق أهل الهوي … ويكثر بَاكٍ ومسترجعُ

ومضى حتى بلغ قوله:

ودَويِّةٍ بين أقطارها … مَقاطعُ أرضِينَ لا تُقْطَعُ

تَجاوَزْتُها فوق عَيْرانة … من الريح في سيرها أسرعُ

إلى "جعفر" نزعت رغبة … وأيَّ فتيً نحوه تنزعُ؟!

فما دونه لامرئٍ مطمع … ولا لامرئ دونه مَقنَعُ

ولا يرفع النّاسُ ما حَطَّهُ … ولا يضعون الذي يَرْفَعُ

يريد الملوكُ ندي جعفرٍ … ولا يصنعون الذي يَصْنَعُ

وليس بأوسعهم في الغني … وَلكِنَّ معروفه أوسعُ

يلوذ الملوك بآرائِهِ … إذا نالها الْحَدثُ الأفظعُ

بديهتهُ مثلُ تدبيره … متى رُمْتَهُ فهو مُسْتَجْمع (١)

[البلاء موكل بالمنطق]

وعندي نقد "بما تحمل صيغة النقد من معنى لغوي وفني شامل" فالقصيدة في وزنها وفي خفة روحها وسلاسة ألفاظها وعذوبتها وروعة معانيها؛ هي في ذروة "الشعر السُّلَمي" الذي نرى أنه يمتاز بهذه المعاني كلها، وكلما ارتقى أحد شعرائهم أو شاعراتهم سلم المجد الشعري كان شعره كالشَّلال الفياض الشفيف المُفْعم بالجمال حِسَّا ومَعْنىً، وروحًا ومَبْنىً.


(١) خزانة الأدب، ص ١٤٣ و ١٤٤، الجزء الأول.

<<  <  ج: ص:  >  >>