للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذا خُلق حسن رفيع قلما كان يؤثر عن أهل الجاهلية مثله، فإذا تعرفنا ملامح عنترة العاشق. . عرفنا ثمَّ رجلًا متيمًا بعبلة إلى حد قوله في معلقته:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل … مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها … لمعت كبارق ثغرك المتبسمِ

ثم هو لا يلتفت إلى سواها مهما بلغ بها الحسن والجمال والبهاء. . فأنت حيال فارس لا يعرف المساومة ولا المهادنة، ومن هنا فقد كانت فروسية عنترة قائمة في عشقه، وكان عشقه ماثلًا في فروسيته، توأمان لا يملكان فكاكًا. ونحن بينهما قراء لهذا التراث الشعري الفريد، الذي أثرى العربية أيما إثراء.

ولقد اجتمع إلى شجاعة عنترة (١) وحبه عناصر أخرى .. جعلت من حياة هذا الفارس مادة للقصة أو السيرة، حتى بلغت مبلغ الأسطورة. . . . وتداولها الناس جيلًا بعد جيل منذ أن دونها يوسف بن إسماعيل المصري على عهد العزيز بالله الفاطمي (بعد عام ٤٠٠ هـ) في القاهرة.

ويبقى عنترة في شعره أمانة في رقبة الأجيال .. ولطالما تتكشف للنقاد كل يوم جوانب جديدة ومضيئة في حياة هذا الفارس الشاعر فإنه خليق بذلك حقا .. وسوف يدرك ذلك من يتاح له أن يطالع هذه الأشعار:

قلت وسنرشح أشعارًا من ديوان عنترة بن شداد نذكر منها التالي:


(١) قلت: ومن العجيب أن يعيش عنترة العبسي حياة حافلة بالحرب والطعان في عشرات الغزوات، مهاجمًا كان أو مدافعًا، ثم يموت في كهولته على يد رجل قد غدر به ورماه بسهم فأرداه قتيلا .. !
(وقيل أن هذا الرجل قد أطلق عليه السهم على خرير بوله وهو يقضي حاجته في الليل بعيدا عن الحي من عبس، فجاءه السهم في عورته!!)
وذكر ابن حزم الأندلسي في الجمهرة ص ٤٠٠ أن قاتل عنترة كان يُعرف بالأسد الرهيص واسمه حيان بن عمرو بن عميرة بن ثعلبة بن غياث بن ملقط من طيئ القحطانية، وفي الاشتقاق لابن دريد والمقتضب اسمه جبار بن عمرو، وفي القاموس اسمه هبار بن عمرو.
وفى الأعلام للزركلي ذكر أن قاتل عنترة هو: وزر بن جابر بن سدوس النبهاني الطائي الملقب بالأسد الرهيص، ووفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع زيد الخيل بن حاتم الطائي سنة ٩ هـ ولم يُسْلم، وقال: لا يملك رقبتي عربي!؟، ثم رحل إلى الشام، فقيل حلق رأسه وتنصَّر ومات على النصرانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>