للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مات الوالد وغاب الوافد، وإني ابنة سيد قومه، وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني، ويشبع الجائع ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله تعالى يحب مكارم الأخلاق. ويزيد الحافظ ابن كثير هذا البيان وضوحا فيقول: وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة، وأخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها، ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة والذكر (١).

وروي عن عمر -رضي الله عنه- قال ذكر حاتم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ذاك أراد أمرا فأدركه".

وفي مسند الإمام أحمد -رحمه الله- عن عدي بن حاتم قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل ويفعل، فهل له في ذلك؟ يعني من أجر؟ قال: إن أباك طلب شيئا فأصابه.

وعلى أية حال فإن كرم حاتم قد خلَّده الله؛ لأن صفة الكرم هي من صفات الله -سبحانه وتعالى- ولا زال الكرم مقرونا بحاتم حتى يومنا هذا، فإذا أردت أن تثني على أحد الكرماء فلا بد أن تقول له: إنك حاتمي، إسنادا إلى صفة حاتم.

هذا، ويروى أن عديا بن حاتم عندما وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلنا إسلامه ووقف أمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله: إن أكرم الناس فينا وإن أشجع الناس فينا وإن أشعر الناس فينا. فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمن يا عدي قال: وأما أكرم الناس فأبي حاتم بن سعد، وأما أشجع الناس فهو عمرو بن معدى كرب، وأما أشعر الناس فهو امرؤ القيس.

فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يا عدي: إن أكرم الناس محمد بن عبد الله، وإن أشجع الناس علي بن أبي طالب، وإن أشعر الناس تماضر بنت عمرو (الخنساء)


(١) السيرة النبوية: لابن كثير ١/ ١٠٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>