للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الْعَقْل الْمُقْتَرِنِ بِالنُّضْجِ وَالْخِبْرَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِجَوَانِبِ الأُْمُورِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى النَّظَرِ فِي الْوَقَائِعِ وَالْخَفَايَا وَإِدَارَةِ الدَّوْلَةِ، وَكَشْفِ الدَّسَائِسِ ضِدَّهَا، وَالْعَمَل عَلَى إِحْكَامِ الْخُطَطِ وَالتَّدْبِيرِ الدَّقِيقِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُول الْمَاوَرْدِيُّ فِي شُرُوطِ الْقَاضِي: وَلاَ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْعَقْل الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ صَحِيحَ التَّمْيِيزِ، جَيِّدَ الْفِطْنَةِ، بَعِيدًا عَنِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، يَتَوَصَّل بِذَكَائِهِ إِلَى إِيضَاحِ مَا أَشْكَل، وَفَصْل مَا أَعْضَل (١) ، وَوَزِيرُ التَّفْوِيضِ قَاضٍ يَحْكُمُ وَيَفْصِل كَمَا سَنَرَى، وَيُعِينُ الْقُضَاةَ وَالْوُلاَةَ وَالْحُكَّامَ، وَيُدِيرُ أُمُورَ الدَّوْلَةِ الدَّاخِلِيَّةَ وَالْخَارِجِيَّةَ.

وَيَرَى بَعْضُهُمْ فِي الرُّشْدِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ بُلُوغُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدِيَّ (٢) } ، لأَِنَّ النُّضُوجَ الْعَقْلِيَّ وَالاِسْتِقْرَارَ الْعَاطِفِيَّ يَتِمُّ فِي هَذِهِ السِّنِّ، وَهِيَ السِّنُّ الَّتِي يُصْطَفَى فِيهَا الأَْنْبِيَاءُ وَالرُّسُل، وَيُوحَى إِلَيْهِمْ، قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: إِنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا بَلَغَ هَذَا الْقَدْرَ يَتَقَوَّى خُلُقُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَكَادُ يُزَايِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (٣) .


(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٦٥.
(٢) سورة الأحقاف / ١٥.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن ص٤٤٧.