للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

حيث لا مالك ولا حاكم سواه، وهو يوم القيامة، {فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} في الدنيا من الكفر والمعاصي؛ أي: نُخبرهم بقبائح أعمالهم، فنجازيهم عليها بالعذاب والعقاب، وجمع الضمائر الثلاثة باعتبار معنى {من} كما أن الإفراد في الموضعين باعتبار لفظه.

{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}؛ أي: بما في القلوب من الخير والشر؛ أي (١): بالضمائر والنيات المصاحبة بالصدر الذي هو محل القلب؛ أي: عليم بما تسره صدورهم، لا تخفى عليه من ذلك خافية، فالسر عنده كالعلانية، فيجازي عليها كما يجازي على الأعمال الظاهرة.

والمعنى: أن مصيرهم يوم القيامة إلينا، فنخبرهم بما عملوا في الدنيا من خبيث الأعمال، حتى لا يكون هناك سبيل إلى الإنكار، ثم نجازيهم على ذلك أشد العذاب، ثم بين أنه عادل في الجزاء لسعة علمه، وعظيم إحاطته بكل شيء فقال: {إِنَّ اللَّهَ} تعالى {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فيجازيهم بكل ما عملوا سرًا وعلانيةً، إذ لا يخفى عليه خافية.

٢٤ - ثم بين أن ما يمتعون به في الدنيا عرض قليل، وظل زائل، لا ينبغي لعاقل أن يقيم له وزنًا بجانب العذاب الدائم، فقال: {نُمَتِّعُهُمْ}؛ أي: نمتع الكافرين وننعمهم بمنافع الدنيا {قَلِيلًا}؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، فإن ما يزول وإن كان بعد أمد طويل بالنسبة إلى ما يدوم قليل؛ أي: نبقيهم في الدنيا مدةً قليلةً، يستمتعون بها {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ}؛ أي (٢): نلجئهم ونردهم في الآخرة قهرًا {إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}؛ أي: شديد يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ، فإنه لا أثقل منه على من وقع فيه وأصيب به، فلهذا استعير له الغلظ، أو نضم إلى الإحراق الضغط والتضييق، وفي "التأويلات النجمية": غلظة العذاب: عبارة عن دوامه إلى الأبد، انتهى. والغليظ ضد الرقيق كما سيأتي.


(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.