للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

شاؤوا، وأنتم معاشرَ المؤمنين خائفون محصورون، فإنَّ ذلك لا يبقى إلا مدةً قليلة، ثم ينتقلون إلى أشدِّ العذاب؛ فعلى المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعده الله، فهو النعيم الحقيقي الباقي.

١٩٧ - وقرأ (١) ابن أبي إسحاق، ويعقوب لا يغرنك، ولا يصدنك، ولا يصدنكم، ولا يغرنكم، وشبهه بالنون الخفيفة {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} خبر لمحذوف تقديره؛ ذلك التقلب، والتبسط شيء قليل، متعوا به، ومنفعة يسيرة زائلة، لا تدوم لا قدرَ لها في مقابلة ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعَه في اليم، فلينظر بم يَرجع". رواه مسلم. {ثُمَّ مَأوَاهُمْ}؛ أي: ثم المكان الذي يأوون إليه، وينزلون فيه إنما هو {جَهَنَّمُ}، وعبر بالمأوى إشعارًا بانتقالهم عن الأماكن التي تقلبوا فيها، وكان البلاد التي تقلبوا فيها إنما كانت لم أماكن انتقال من مكان إلى مكان لا قرارَ لهم، ولا خلودَ، ثم المأوى الذي يأوون إليه، ويستقرون فيه هو جهنم {وَبِئْسَ} وقبح {الْمِهَادُ} والفراش لهم، والمخصوص بالذم جهنم

١٩٨ - {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ} لما تضمن (٢) ما تقدم أن ذلك التقلب والتصرف في البلاد، هو متاع قليل، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم، فدل على قلة ما متعوا به؛ لأن ذلك منقض بانقضاء حياتهم، ودل على استقرارهم في النار .. استدركَ بلكن الإخبارَ عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين، وذلك شيئان:

أحدهما: مكان استقرار، وهي الجنات.

والثاني: ذكر الخلود فيها، وهو الإقامة دائمًا، والتمتع بنعيمها سرمدًا فقابل جهنم بالجنات، وقابل قلة متاعهم بالخلود. الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن هنا أحسن موقع؛ لأنه آل معنى الجملتين إلى تعذيب الكفار، وإلى تنعيم المتقين فهي واقعة بين الضدين. وقرأ الجمهور {لكن} خفيفةَ النون، وقرأ أبو جعفر بالتشديد، ولم يظهر لها عمل؛ لأن اسمها مبني؛ أي: لكن المؤمنون


(١) البحر المحيط.
(٢) البحر المحيط.