للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الشيطان يأمر أولًا بمخالفة الله ظاهرًا، فمن أطاعه فقد عبده، ومن لم يطعه فيقول له: اعبد الله كي لا تهان، وليرتفع شأنك عند الناس، وينتفع بك إخوانك. فإن أجاب إليه فقد عبده.

والهمزة في قوله: {أَفَلَمْ تَكُونُوا} للاستفهام التوبيخي (١)، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم، فلم تكونوا تعقلون، أنها لضلالهم وطاعتهم إبليس، أو فلم تكونوا تعقلون شيئًا أصلا، حتى ترتدعوا عما كانوا عليه، كيلا يحيق بكم العقاب. وقرأ الجمهور: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} بتاء الخطاب. وقرأ طلحة، وعيسى بياء الغيبة عائدًا على جبل. وفي «كشف الأسرار»: هو استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل، مع أنه نور يستضاء به.

ثم اعلم (٢): أن الجاهل الأحمق، والضال المطلق في يد الشيطان، يقوده حيث يشاء، ولو علم حقيقة الحال، وعقل أن الله الملك المتعال، واهتدى إلى طريق التوحيد، الطاعة، ولحفظه الله من تلك الساعة. فإن التوحيد حصنه الحصين، ومن دخل فيه أمن من مكر العدو المهين، ومن خرج عنه طالبا للنجاة، أدركه الهلاك ومات في يد الآفات، ومن أهمل نفسه فلم يتحرك لشيء، كان كمجنون لا يعرف شمسًا من فيء. فنسأل الله الاشتغال بطاعته واستيعاب الأوقات بعبادته، وطرد الشيطان بأنوار الخدمة وقهر النفس بأنواع الهمة.

٦٣ - وبعد أن أنبوا ووبخوا بما سلف، خوطبوا بما يزيدهم حسرةً وألمًا، فقيل لهم من جهة الملائكة: {هذِهِ} النار المسعرة هي {جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ} في الدنيا {تُوعَدُونَ} بها على ألسنة الرسل والمبلغين عنهم. إذ أنتم اتبعتم وساوس الشيطان، وعصيتم الرحمن، وعبدتم من دونه الأصنام والأوثان، واجترحتم الفسوق والعصيان.

٦٤ - ثم أمرهم أمر إهانة، وتحقير لهم، بقوله: {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ}؛ أي: ادخلوا في


(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.