للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فتركوه، وقال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال، فإن نفسه هانت عليه فتركوه وقال خباب: لقد أوقدوا لي نارًا ما أطفأها إلّا ودك دهن ظهري.

١١٠ - وكلمة ثم في قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ} للدلالة (١) على تباعد حال هؤلاء - يعني الذين نزلت الآية فيهم - عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، وقوله: {لِلَّذِينَ هَاجَرُوا} متعلق بخبر إنَّ الآتي، والتقدير: ثم إن ربك يا محمَّد لغفور رحيم للذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وهم عمار وصهيب وخباب وسالم وبلال وغيرهم، {مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا}؛ أي: عذبوا على الارتداد، وأكرهوا على تلفظ كلمة الكفر، فتلفظوا بما يرضيهم؛ أي: الكفرة مع اطمئنان قلوبهم، {ثُمَّ جَاهَدُوا} في سبيل الله {وَصَبَرُوا} على مشاق الجهاد، وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا}؛ أي: من بعد المهاجرة والجهاد والصبر تأكيد لـ {إنَّ} الأولى واسمها ومتعلقها، وقوله: {لَغَفُورٌ} بما فعلوا من قبل، خبر لـ {إِنَّ} الأولى؛ أي: لستور عليهم، محاءٌ لما صدر منهم، {رَحِيمٌ} منعم عليهم من بعد بالجنة، جزاء على تلك الأفعال الحميدة والخصال المرضية، واعلم (٢) أن المهاجرة مفاعلة من الهجرة، وهي الانتقال من أرض إلى أرض، والمجاهدة مفاعلة من الجهد، وهو استفراغ الوسع، وبذل المجهود في طلب المقصود، قال في "التعريفات": المجاهدة في اللغة المحاربة، وفي الشرع: محاربة النفس الأمارة بالسوء بتحميلها ما يشق عليها مما هو مطلوب في الشرع انتهى.

وحاصل معنى الآية: أي إن ربك (٣) أيها الرسول للذين هاجروا من ديارهم، وتركوا مساكنهم وعشائرهم من أهل الشرك، وانتقلوا عنهم إلى ديار الإِسلام من بعد ما فتنهم المشركون، الذين كانوا بين ظهرانيهم قبل هجرتهم، ثم جاهدوا المشركين بعد ذلك بأيديهم بالسيف، وبألسنتهم بالبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله، وصبروا على جهادهم، إنَّ ربك من بعد أفعالهم هذه لذو


(١) الشوكاني.
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.