للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الاستدلال، ومعرفة براهينها، فكان ذلك من أكبر البواعث على العمل بها، والتمسك بأهدابها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

والخلاصة: أن تعليم الكتاب إشارةً إلى معرفة ظواهر الشريعة، وتعليم الحكمة إشارة إلى فهم أسرارها، وعللها، وبيان منافعها.

{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ}؛ أي: والحال أنهم كانوا من قبل بعثة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - {لَفِي ضَلَالٍ}، وغيٍّ وجهل {مُبِينٍ}: أي: بين واضحٍ بعيدٍ عن الحق، ولا ضلال أظهر من ضلال قوم يشركون بالله، ويعبدون الأصنام ويسيرون وراء الأوهام، وهم على ذلك أميون، لا يقرؤون، ولا يكتبون حتى يعرفوا حقيقة ما هم فيه من الضلال. وإنما جعلها منة لكونها وردت بعد محنةٍ، فكان موقعها أعظم إذ أن بعثة الرسول جاءت بعد جهلٍ، وبُعدٍ عن الحق، فكانت أعم نفعًا وأتم وقعًا.

وهذا على كون إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، واللام فارقةٌ بين المخففة، والنافية، وهو مذهب سيبويه. وقال الكوفيون: إنها النافية، واللام بمعنى إلا، والمعنى (١): وما كانوا من قبل مجىء محمَّد، ونزول القرآن، إلّا في ضلال بيّن، وذلك لأنَّ دين العرب قبل ذلك كان أرذل الأديان، وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق، وهو الغارة والنهب، والقتل، وأكل الأطعمة الرديئة، ثم لما بعث الله تعالى سيدنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إليهم انتقلوا ببركته من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أحسنها، وصاروا أفضل الأمم في العلم، والزهد والعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا، وطيباتها، ولا شك أن هذا أعظم المنة.

١٦٥ - وبعد أن حكى الله سبحانه وتعالى عن المنافقين أنهم نسبوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغلول، والخيانة، ثم برأه منه وبين ما بعث لأجله عاد هنا إلى كشف الشبهات التي عرضت للغزاة قبل الواقعة وبعدها، وبين خطأهم، وضلالهم في أقوالهم، وأفعالهم فقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} الهمزة فيه:


(١) المراح.